لم يعد البيان الأردني- التركي مجرد موقف دبلوماسي بل أصبح أداة سياسية واستراتيجية تعكس إدراك المملكة العميق لأهمية تحركه في التوقيت المناسب وتثبيت مكانته كفاعل رئيس في الإقليم قادر على حماية مصالحه الوطنية ودعم الاستقرار السياسي والاقتصادي في المنطقة.
اضافة اعلان.
في خطوة تمثل أكثر من مجرد زيارة رسمية، جاءت مباحثات جلالة الملك عبدالله الثاني والرئيس التركي رجب طيب أردوغان في إسطنبول لتعكس استراتيجية أردنية مدروسة لإرساء دور المملكة المحوري في القضايا الإقليمية، خصوصًا قضايا فلسطين والقدس وسورية، وترسيخ شراكات إقليمية ودولية تضمن الاستقرار السياسي والاقتصادي في المنطقة.
لم يكن البيان المشترك بين البلدين مجرد تعبير عن العلاقات الثنائية التاريخية بل جاء محددًا وواضحًا في مواقفه تجاه القضايا الكبرى ورفض سياسات الضم والتهجير والعنف في الأراضي الفلسطينية وتأكيد الوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس والدعوة لحل سياسي شامل في سورية مع الالتزام بتوطيد علاقات التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري.
هذه البنود تعكس حرص المملكة على الموازنة بين الأبعاد السياسية والأمنية والاقتصادية بما يضمن مصالحها الوطنية ويعزز موقعها الإقليمي
ويأتي هذا البيان وفق خبراء في الشأن السياسي والاستراتيجي في سياق متسق مع التحديات الأمنية الواقعية التي تواجه المملكة حيث تضاعفت اقتحامات الاحتلال للقدس والممارسات أحادية الجانب في السنوات الأخيرة، وهي تتركز بشكل ممنهج حول المسجد الأقصى والبلدة القديمة مما يهدد الوضع القائم ويستدعي تحرك الأردن الاستباقي.
وأشاروا إلى أن البيان أداة لرفع سقف الردع السياسي وحماية الوصاية الهاشمية القانونية والدولية على المقدسات ومنع أي فراغ قد يؤدي لاضطرابات دينية وسياسية تمتد تداعياتها إلى كامل الإقليم كما أنه أظهر أن الاستقرار الاقتصادي جزء لا يتجزأ من الاستراتيجية الأردنية حيث تتحمل المملكة أعباء كبيرة نتيجة أزمات اللجوء والضغوط المالية وفي هذا النطاق فإن الشراكة مع تركيا فرصة لإطلاق مسارات تجارية واستثمارية جديدة وربط الاقتصاد الأردني بشبكات إمداد دولية تمنحه متنفسًا ضروريًا للصمود في مواجهة أي أزمات
تثبيت دور المملكة المحوري
وفي ضوء السؤال حول مدى انعكاس البيان في تثبيت دور المملكة المحوري في قضايا فلسطين والقدس وسورية وبناء شراكات إقليمية داعمة للاستقرار، قدّم الخبير د. بشير الدعجة قراءة تحليلية معمقة وضع البيان عبرها في سياقه السياسي والأمني والاستراتيجي الأشمل معتبرًا أنه يتجاوز البعد البروتوكولي إلى إعادة رسم ملامح الدور الأردني في الإقليم
وقال الدعجة إن البيان “لا يأتي في فراغ سياسي” بل جاء بعد “سنوات من محاولات منهجية لإضعاف الدور الأردني في القدس” مشيرًا إلى أن الوقائع الميدانية أكدت أن “وتيرة الاقتحامات والإجراءات الأحادية في المدينة المقدسة تضاعفت في العامين الأخيرين” مضيفًا أن “أكثر من 80 % من هذه الانتهاكات تركزت في محيط المسجد الأقصى والبلدة القديمة” مما يعني أن “الاستهداف لم يعد عشوائيًا بل ممنهجًا”
وأوضح أن الأردن تحرك لأن “استمرار هذا المسار يعني نسف الوضع القائم وإشعال صراع ديني مفتوح لا يمكن احتواؤه لاحقًا” مشيرًا إلى أن الوصاية الهاشمية على المقدسات “ليست توصيفًا معنويًا” بل “إطارًا قانونيًا وسياسيًا معترفًا به دوليًا” لافتًا إلى أن “أي محاولة لتهميشها ستخلق فراغًا خطرًا بإدارة أخطر ملف ديني-سياسي في المنطقة”
وبين أن “التجارب السابقة تثبت أن كل فراغ في القدس يملأ بالفوضى” مؤكدًا أن الأردن “يدرك أن التخلي عن هذا الدور لا يهدد فلسطين فقط بل يهدد توازن الإقليم بأكمله” موضحًا أن البيان “يعيد تثبيت المرجعية لا ليجدد الخطاب”
أمنيًا قال الدعجة إن “الأردن يتعامل مع فلسطين والقدس كامتداد مباشر لأمنه الوطني” مشيرًا إلى أن “أكثر من نصف المجتمع الأردني مرتبط اجتماعيًا وإنسانيًا بالقضية الفلسطينية” مضيفًا أن “كل تصعيد كبير كان ينعكس فورا على الشارع الأردني” معتبرًا أن هذه المعطيات “ليست قراءة سياسية بل معادلة أمن داخلي مثبتة بالتجربة” موضحًا أن التحرك الأردني مع تركيا مثّل “رفعًا لسقف الردع السياسي حتى لا يدفع الأردن لاحقًا إلى خيارات أصعب”
وبشأن الملف السوري، بين الدعجة أن “الأرقام لا تسمح بالمناورة الخطابية” مشيرًا إلى حدود أردنية-سورية “تمتد لأكثر من 370 كلم” وإلى “آلاف محاولات التهريب في السنوات الأخيرة” فضلاً عن “شبكات مخدرات عابرة للحدود” و”فصائل مسلحة خارج السيطرة” مضيفًا أن الأردن “دفع ثمن غياب الحل السياسي من استقراره وموارده” فالبيان يعكس “انتقالًا صريحًا من سياسة الاحتواء إلى سياسة التأثير في مسار الحل”
وأضاف الخبير الأمني أن الشراكة مع تركيا “لم تكن مجاملة دبلوماسية” إذ إن تركيا “لاعب ميداني مباشر يمتلك أدوات ضغط حقيقية” في حين يمتلك الأردن “حساسية جغرافية واستخباراتية عالية في الجنوب السوري” مبينًا أن التنسيق بين الطرفين “يعني تقليص الفراغ الأمني وخفض نشاط الفاعلين غير الدوليين ومنع الجنوب السوري من التحول إلى خاصرة رخوة دائمة للأردن” معتبرًا أن هذه “حسابات أمن قومي لا تدار بالشعارات”
سياسيًا أكد أن البيان أظهر أن الأردن اختار موقع “دولة التوازن في إقليم تحكمه الاستقطابات الحادة” موضحًا أنه “لا يدخل محاور صدامية ولا يقف متفرجًا” بل “يبني شراكات انتقائية مع قوى فاعلة” مضيفًا أن هذا النهج فسّر “بقاء الأردن حاضرًا في كل ملفات المنطقة برغم محدودية موارده مقارنة بقوى كبرى” معتبرًا أن ما يحكم هذه السياسة هو “سياسة عقل لا سياسة اندفاع”
أما اقتصاديًا فشدد الدعجة على أنه “لا يمكن فصل الأمن عن الاقتصاد” مشيرًا إلى أن الأردن “تحمل أعباء لجوء بمليارات الدولارات وواجه ضغوط نمو وبطالة ودين عام” مضيفًا أن “أي انفجار أمني جديد كان سيعني مزيدًا من الاستنزاف” وأن “الانفتاح المدروس على تركيا فتح مسارات تجارة واستثمار وسلاسل إمداد ومنح الاقتصاد الأردني متنفسًا ضروريًا للصمود” مؤكداً أن “الاستقرار هنا لم يكن شعارًا بل شرط بقاء” مشددًا على أن “البيان إعادة تموضع استراتيجي مدروس” فهو يمثل “تثبيتًا للدور الأردني في القدس قبل فوات الأوان” و”تحركًا استباقيًا في سورية بدل انتظار الانفجار” و”بناء شراكات رفعت كلفة تجاوز الأردن أو تحييده” وهذه المقاربة جسدت “سياسة دولة عرفت متى تصمت وتتحرك وتضرب سياسيًا في التوقيت المناسب”
توسع مسار العلاقة الأردنية التركية
الخبير د. نضال أبو زيد قال إن الزيارة الملكية لتركيا تعكس توسع مسار العلاقة الأردنية التركية فقد “بدأت بالتقاء الرؤى الأردنية التركية دبلوماسيًا بشأن الملف السوري ثم بعد ذلك توسعت إلى باقي الملفات في المنطقة” مشيرًا إلى أن هذا التقارب ليس ظرفيًا بل هو نتيجة تراكم تفاهمات سياسية خصوصًا فيما يتصل بمستقبل سورية
وأضاف أبو زيد أن التقاء الرؤية الأردنية التركية حول الملف السوري والاتفاق على أن “تكون سورية موحدة في محيط عربي” أسهما بدفع العلاقات الثنائية إلى مستوى أعمق إذ “شجع الجانب التركي على الانفتاح أكثر والجانب الأردني على التجسير الدبلوماسي مع تركيا” معتبرًا أن هذا التفاهم شكل أرضية سياسية سمحت للجانبين بالانتقال من التنسيق المحدود إلى الشراكة الأوسع في ملفات إقليمية حساسة
ولفت إلى الدور التركي الفاعل في المسار الإقليمي المتعلق بسورية مذكّرًا بأن “تركيا كانت لاعبا رئيسا في الحضور بخماسية عمان التي عقدت في آذار العام الماضي” وكان من أبرز مخرجاتها “غرفة العمليات المشتركة بشأن سورية” بمشاركة دول جوار سورية موضحًا أن هذا الحضور عكس إدراكًا مشتركًا لأهمية التنسيق الإقليمي بمعالجة تعقيدات الملف السوري أمنيًا وسياسيًا
وأشار أبو زيد إلى أن الجانب التركي بات ينظر للأردن بوصفه نقطة ارتكاز دبلوماسية بشأن الجنوب السوري أما “الجانب التركي فيرى في الأردن باكورة العمل الدبلوماسي بشأن الجنوب السوري وبشأن دعم الرؤية التركية حول سورية” معتبرًا أن هذا التقدير يعكس ثقة تركية بالدور الأردني وقدرته على إدارة التوازنات الدقيقة في الساحة السورية
وقال إن الدبلوماسية الأردنية لعبت دورًا محوريًا بتعزيز هذا التقارب مشيرًا إلى أن “الدبلوماسية والخطاب الإعلامي الأردني المعتدلين شجعا على أن يكون هناك تقارب أردني تركي” وهذا النهج منح الأردن مصداقية إقليمية وجعله شريكًا مفضلًا في مسارات التهدئة وبناء التفاهمات بدلاً من الاصطفافات الحادة
اقتصاديًا ربط أبو زيد بين البعد السياسي للتقارب الأردني التركي والمصالح الاقتصادية المباشرة موضحًا أن “انسياب الحركة التجارية من الأردن إلى سورية عبر طريق الـ”ام 5″ باتجاه الأراضي التركية ومنها إلى أوروبا مصلحة أردنية أيضًا” معتبرًا أن هذا المسار التجاري يعزز فرص التعافي الاقتصادي ويدعم الاستقرار
وأكد أبو زيد أن هذه المصالح المتبادلة “تعزز الرؤية الأردنية التركية” وتمنح الشراكة بعدًا عمليًا يتجاوز التنسيق السياسي إلى التكامل الاقتصادي وبناءً على ذلك عكس رأيه أن البيان لم يكن مجرد تعبير سياسي بل جاء تتويجًا لمسار تراكمي من التفاهمات وأداة لإعادة تثبيت الدور الأردني في القضايا الإقليمية لا سيما سورية ضمن شراكة مدروسة مع تركيا تجمع بين الاعتدال السياسي والمصلحة الاقتصادية والاستقرار الإقليمي.
ملفات إقليمية حساسة
رئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية د. خالد شنيكات قال إن “تركيا دولة محورية وإقليمية كبيرة لها تداخلاتها في المنطقة وعلى المستوى الدولي” مشيرًا إلى أن أنقرة تمتلك شبكة علاقات دولية مؤثرة ولا سيما مع الولايات المتحدة “بحكم الانسجام بين الرئيسين أردوغان وترامب” مع احتفاظها في الوقت نفسه بعلاقة فاعلة مع روسيا مضيفًا أن هذا التوازن في السياسة الخارجية منحها قدرة على التحرك في أكثر من ملف إقليمي ودولي في آن واحد
وأشار شنيكات إلى أن الدور التركي لم يقتصر على الساحات الكبرى بل امتد لملفات إقليمية حساسة موضحًا بأن لتركيا “تداخلاتها على مستويي غزة ومصر” لافتًا إلى أنها أعادت فتح قنوات الاتصال مع القاهرة وكان من أبرز الشواهد على ذلك “زيارة أردوغان مع السيسي في مصر قبل أيام” مضيفًا أن تركيا تمتلك أيضًا “علاقتها الخاصة بالنظام السوري الجديد” وكذلك مع السعودية والتي شهدت هي الأخرى زيارات متبادلة مؤخرًا
واعتبر شنيكات أن زيارة جلالة الملك إلى تركيا عكست أبعادًا متعددة فقد قامت أولا على “علاقات تاريخية بين البلدين” وثانيا على وجود “ملفات مشتركة خاصة بشأن سورية وأيضًا المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس وغزة” لا سيما في ظل استمرار التوسع والتصعيد مؤكدًا أن هذه الملفات تفرض ضرورة التنسيق مضيفًا “لا بد من التعاون مع تركيا بخاصة وأنها تصب في إطار واحد”
وأضاف أن هناك “تداخلًا بين هذه الملفات سواء ملف غزة أو ملف الضفة أو ملف العلاقات مع سورية وحتى لبنان ومصر” ما يجعل من التنسيق الأردني التركي خيارًا استراتيجيًا وليس تكتيكيًا مشيرًا إلى أن الأردن “يحتاج لتقوية هذا المحور بخاصة أن تركيا مدت نفوذها على نحو كبير وعلاقاتها مع دول المنطقة إجمالًا” معتبرا أن هذا الواقع الإقليمي يفرض على عمان الاستثمار بهذه الشراكة
وربط شنيكات هذا التوجه بالبعد الاقتصادي موضحًا بأن تركيا “تراهن دائمًا على العلاقات الاقتصادية” وأن هذا البعد ينقل المنطقة “من حلحلة صراعات المنطقة إلى التعاون الاقتصادي والبناء على الشراكات” معتبرا أن هذا التحول فرصة للأردن في ظل التحديات الاقتصادية التي يواجهها
وأضاف أن “الحكومة الأردنية مطلوب منها متابعة ما جرى التوصل إليه من توافق بين أردوغان وجلالة الملك” مؤكدًا أن هذا التوافق يجب أن يترجم عمليًا بـ”متابعة الشراكات لنقل التكنولوجيا وزيادة التبادل التجاري وغير ذلك” مضيفًا أن هذه الملفات “تهم الأردن على نحو” لافتًا إلى أن الأردن “يعتمد على التجارة بتقوية اقتصاده” محذرًا من أنه “بدون التجارة سيواجه اقتصادنا مشاكل كبيرة” لذلك فإن الأردن “يراهن على الاقتصاد حتى في موضوع علاقاته مع مجمل دول المنطقة”
وأشار رئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية إلى أن النموذج التركي في العلاقات الدولية يقدم دلالات مهمة لافتًا إلى أنه “لاحظنا أن تركيا لديها علاقة أيضًا مع إيران برغم العقوبات الأميركية” وأن “حجم التبادل التجاري بين تركيا وإيران لم يتأثر كثيرًا” في ظل وجود “استثناء من العقوبات الأميركية بالنسبة للأتراك” مضيفًا أن تركيا لعبت دورًا سياسيًا و”عملت وسيطا أو فتحت المجال لمفاوضات إيرانية أميركية”
وأكد أن هذه التجربة تعكس فهمًا واسعًا لمفهوم الشراكات موضحًا أن “الشراكات لا تقتصر فقط على العالم العربي بل يجب أن يكون لها امتداداتها الدولية” معتبرا أن “هذا ما يعكسه البيان” موضحًا أنه قام على “راهن على الجانب التاريخي والتعاون في ملفات المنطقة والعلاقات الاقتصادية” باعتبارها ركائز أساسية لإعادة تثبيت الدور الأردني وبناء شبكة شراكات إقليمية ودولية تدعم الاستقرار السياسي والاقتصادي في المنطقة.

