يُعتبر إطلاق التصنيف الأخضر الوطني الأردني خطوة مهمة نحو تحسين التوازن بين الاقتصاد والبيئة، حيث يُحدد هذا الإطار المعتمد متطلبات الأنشطة الاقتصادية المستدامة بيئياً بما يتماشى مع الأولويات المناخية والمائية للمملكة، ويعكس جهود البنك المركزي الأردني بالتعاون مع وزارة البيئة وبدعم فني من البنك الدولي، إذ يضع التصنيف معايير فنية تركز على “المساهمة الجوهرية” في الأهداف البيئية و”عدم التسبب بضرر جسيم” للأهداف الأخرى ضمن تسعة قطاعات حيوية تؤثر على البنية الإنتاجية والخدمية للاقتصاد.

يؤكد الخبراء أن هذا التصنيف يُعد نقلة نوعية لتعزيز الحوكمة المالية والبيئية، حيث لا يُعتبر مجرد دليل إرشادي بل أداة استراتيجية لإعادة توجيه الاستثمارات نحو أنشطة ذات انبعاثات منخفضة وكفاءة أعلى في استخدام الموارد، مما يحد من مخاطر “التجميل البيئي” ويؤسس لقياس فعلي لأثر المشاريع على المناخ والمياه والاقتصاد.

تظهر تقديرات الخبراء أن القيمة الحقيقية للتصنيف تكمن في قدرته على تغيير سلوك المنشآت، خاصة في القطاعات المرتبطة مباشرة بالخدمات العامة مثل المياه وإدارة النفايات والبنية التحتية، مما يُعزز الاستدامة كجزء أساسي من العمليات التشغيلية بدلاً من كونها خياراً تجميلياً، وهذا التحول من شأنه أن يُحفز شراكات أكثر فاعلية بين القطاعين العام والخاص، ويُوجه الاستثمارات نحو مشاريع تنموية مستدامة تُسهم في تحديث الخدمات وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.

التصنيف يحمل مقومات جيدة للتطبيق يُعتبر إطلاق التصنيف خطوة مؤسسية لتعزيز الحوكمة المالية والبيئية، وفقاً للخبير في الشأن البلدي د. أسامة العزام، حيث يُعد التصنيف أداة استراتيجية لتوجيه الاستثمارات نحو تنمية حضرية ومحلية مستدامة، ويُوفر “لغة مشتركة” تمنع التمويه البيئي وتؤسس لمرحلة جديدة تعتمد على قياس الأثر الحقيقي للمشاريع على الاقتصاد والموارد، ويفترض أن يحدث التصنيف تحولاً جذرياً في نهج عمل المنشآت والمشاريع، خاصة في القطاعات الحيوية التي تتصل مباشرة بالخدمات العامة مثل إدارة النفايات والمياه والبنية التحتية.

شدد العزام على أن الاستدامة لن تكون خياراً تجميلياً، بل متطلباً أساسياً في صلب العمليات التشغيلية، وهذا التوجه سيحفز المنشآت على الدخول في شراكات فعالة بين القطاعين العام والخاص لتنفيذ مشاريع تتوافق مع المعايير الخضراء وتُسهم في تحديث الخدمات، وأكد أن التصنيف يحمل مقومات جيدة للتطبيق كونه يتقاطع مع أولوياتنا الوطنية الملحة في قطاعي المياه والمناخ، لكنه أشار إلى أن ترجمة هذا التصنيف إلى واقع عملي تتطلب نهجاً متدرجاً يضمن تكامل خطط التنمية بين المؤسسات المركزية والإدارات المحلية.

لزيادة فرص نجاحه، ينبغي التركيز على بناء القدرات المؤسسية والمالية لهذه الإدارات لتمكينها من استيعاب المعايير الخضراء ضمن مشاريعها الرأسمالية، مما يمهد الطريق لتوزيع أكثر شمولاً وتوازناً للاستثمارات التنموية، ومن وجهة نظر العزام، فإن “الإلزامية” لا تأتي فقط عبر التشريعات، بل بربط قنوات التمويل بالامتثال.

كما اشترط لضمان التطبيق أن تصبح معايير التصنيف الأخضر جزءاً أساسياً من تقييم المخاطر والحوكمة في المؤسسات المانحة والمقرضة، سواء للقطاع الخاص أو للمشاريع التنموية والبلدية، وأعرب عن أمله في أن تنعكس فوائد هذا التصنيف على مسارين متوازيين، أحدهما بيئي، ليُشكل إطاراً داعماً للجهود الوطنية لحماية الموارد المائية والتكيف مع التغير المناخي، والآخر اقتصادي وتنموي، يوفر أداة إضافية قد تُسهم باستقطاب التمويل الأخضر، ما يتيح نوافذ تمويلية بديلة يمكن توظيفها لدعم المشاريع الرأسمالية، مما قد يساعد في الإدارة الحصيفة للديون العامة وتخفيف الضغط عن محفظة المديونية البلدية.

ولا يقتصر الأمر على ذلك، إذ إن توجيه هذه الاستثمارات بكفاءة وحوكمة جيدة يمكن أن يسهم تدريجياً بتحفيز النشاط الاقتصادي المحلي ودعم فرص العمل في المحافظات عبر مشاريع مستدامة.

الاستدامة والعمل المناخي يمثل إطلاق التصنيف الأخضر تحولاً نوعياً في مسار السياسات الاقتصادية والبيئية في الأردن، ويعكس توجهاً رسمياً جاداً نحو مواءمة التنمية الاقتصادية مع متطلبات الاستدامة والعمل المناخي، وفق رئيس اتحاد الجمعيات البيئية عمر الشوشان، كما يُشكل أداة استراتيجية لإعادة توجيه رأس المال نحو القطاعات الإنتاجية النظيفة والحد من الاستثمارات عالية المخاطر بيئياً واقتصادياً.

لفت الشوشان إلى أن القيمة الحقيقية للتصنيف تكمن في قدرته على إعادة هيكلة سلوك المنشآت والشركات ودفعها لتبني نماذج إنتاج منخفضة الكربون وأكثر كفاءة في استخدام الموارد، مما ينعكس إيجاباً على تنافسية الاقتصاد الوطني واستقراره على المدى المتوسط والطويل، وأشار إلى أن قابلية التطبيق العملي للتصنيف مرهونة بمدى دمجه في السياسات المالية والمصرفية، وربطه المباشر بالحوافز والتسهيلات الائتمانية وشروط التمويل، إضافة إلى إدماجه في أنظمة الترخيص والتقييم البيئي والضريبي.

وبرأي الشوشان، فإن ضمان الالتزام الحقيقي يتطلب إطاراً تشريعياً واضحاً وملزماً وتعليمات تنفيذية دقيقة ونظاماً وطنياً موحداً للإفصاح البيئي، إلى جانب تفعيل أدوات الرقابة والمساءلة وعدم الاكتفاء بالمسار الطوعي والتجميل البيئي، وأكد على أهمية توفير دعم فني وتقني للمنشآت، خصوصاً الصغيرة والمتوسطة، لتمكينها من الامتثال للمعايير الجديدة دون أن يشكل ذلك عبئاً على استمراريتها، وبما يحول التحول الأخضر إلى فرصة اقتصادية لا تكلفة إضافية.

وشدد على أن التصنيف الأخضر، إذا ما طُبّق بإرادة سياسية واضحة وتنسيق مؤسسي فعال، يمكن أن يشكل رافعة حقيقية لجذب التمويل الأخضر وتحفيز الاستثمار المستدام وخلق فرص عمل نوعية خضراء وتعزيز مكانة الأردن إقليمياً في الاقتصاد الأخضر ليصبح نموذجاً في الربط بين الإصلاح الاقتصادي وحماية البيئة.