كشف تقرير حديث صادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن أن مصر لا تطبق حاليًا أي من الأدوات المباشرة لتسعير الكربون، مما يعني أن الانبعاثات الناتجة عن استخدام الطاقة تخضع لما يُعرف بـ«تسعير كربوني غير مباشر» عبر الضرائب المفروضة على الوقود، بينما لا يوجد نظام رسمي لتسعير الكربون حتى الآن.

وأوضح التقرير أن 53.4% من انبعاثات الغازات الدفيئة المرتبطة باستخدام الطاقة في مصر كانت خاضعة لتكلفة مالية خلال عام 2023، نتيجة الضرائب المفروضة على المنتجات البترولية مثل البنزين والسولار، مما يعني أن أكثر من نصف الانبعاثات تتحمل عبئًا ماليًا بشكل غير مباشر.

وأشار التقرير إلى أن مفهوم «تسعير الكربون» يعني ببساطة وضع تكلفة مالية على التلوث الناتج عن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، بهدف تشجيع الأفراد والشركات على تقليل استهلاك الوقود الملوث أو التحول إلى مصادر طاقة أكثر نظافة مثل الطاقة المتجددة.

وأضاف أن مصر لا تطبق حاليًا أي من الأدوات المباشرة لتسعير الكربون مثل فرض ضريبة على الانبعاثات نفسها أو إنشاء سوق لتداول حقوق الانبعاثات بين الشركات، وهي آليات تستخدمها بعض الدول لخفض التلوث بشكل أكثر وضوحًا، وبدلًا من ذلك تعتمد الدولة بشكل أساسي على ضرائب الوقود، والتي تؤدي بشكل غير مباشر إلى رفع تكلفة الانبعاثات.

ولفت التقرير إلى أن هذه الضرائب تُترجم فعليًا إلى تكلفة ضمنية على كل طن من ثاني أكسيد الكربون يتم إطلاقه في الهواء، حتى وإن لم تكن هناك ضريبة مخصصة للكربون بشكل صريح.

ووفقًا للتقرير، بلغ متوسط «معدل الكربون الفعّال» المرتبط بضرائب الوقود في مصر نحو 2.88 يورو لكل طن من ثاني أكسيد الكربون المكافئ خلال عام 2023، وهو رقم يعكس القيمة التي تتحملها الانبعاثات نتيجة الضرائب الحالية على الوقود، مما يعني أن كل طن من الانبعاثات الناتجة عن استهلاك الطاقة في مصر يتحمل تكلفة تقارب 3 يورو بسبب الضرائب المفروضة على الوقود، حتى في غياب نظام مباشر لتسعير الكربون.

وفي المقابل، أشار التقرير إلى أن دعم الوقود الأحفوري لا يزال يلعب دورًا مهمًا في تقليل هذه التكلفة، حيث تقدر قيمة الدعم بنحو 8.63 يورو لكل طن من ثاني أكسيد الكربون، مما يؤدي إلى خفض التأثير النهائي للضرائب.

وأوضح أن «دعم الوقود» يعني ببساطة أن الدولة تتحمل جزءًا من تكلفة إنتاج أو بيع الوقود، مما يؤدي إلى انخفاض سعره للمستهلك، وبالتالي زيادة استهلاكه، مقارنة بما قد يحدث في حال تسعيره بشكل كامل وفق تكلفته الحقيقية.

وبسبب هذا الدعم، سجل متوسط معدل الكربون الفعّال الصافي في مصر نحو -5.75 يورو لكل طن من الانبعاثات خلال عام 2023، وهو رقم سالب يعكس أن تأثير الدعم يفوق تأثير الضرائب، أي أن تكلفة التلوث الفعلية تصبح أقل بدلًا من أن ترتفع.

وأشار التقرير إلى أن هذا الوضع يقلل من الحوافز الاقتصادية التي تدفع الأفراد والشركات إلى تقليل استهلاك الوقود أو الاتجاه نحو مصادر طاقة أنظف، حيث تصبح تكلفة التلوث منخفضة نسبيًا.

كما أوضح أن نحو 8.4% من انبعاثات الغازات الدفيئة المرتبطة باستخدام الطاقة في مصر ترتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بدعم الوقود الأحفوري، مما يعكس استمرار تأثير سياسات الدعم على هيكل الأسعار في قطاع الطاقة.

وأضاف أن هذه النسبة تمثل حجم الانبعاثات التي تستفيد من الدعم، مما قد يؤدي إلى تقليل الدوافع الاقتصادية لتحسين كفاءة استخدام الطاقة أو تقليل الاعتماد على الوقود التقليدي.

وأشار التقرير إلى أن «معدلات الكربون الفعّالة» تعد أداة تحليلية تستخدمها المنظمة لقياس السعر الحقيقي الذي تتحمله الانبعاثات في كل دولة، حيث تجمع بين ثلاثة عناصر رئيسية تشمل الضرائب المباشرة على الكربون، وأنظمة تداول الانبعاثات، بالإضافة إلى ضرائب الوقود.

وأوضح أن هذه الأداة تساعد في تقديم صورة شاملة عن تكلفة التلوث في كل دولة، بما يسمح بإجراء مقارنات دولية حول مدى قوة السياسات التي تستهدف خفض الانبعاثات.

ويغطي تقرير «Effective Carbon Rates 2025» نحو 79 دولة حول العالم، تمثل ما يقرب من 82% من إجمالي الانبعاثات العالمية المرتبطة باستخدام الطاقة، مما يجعله أحد أهم التقارير الدولية في هذا المجال.

أكد التقرير أن تسعير الكربون يعد من أهم الأدوات الاقتصادية المستخدمة عالميًا لمواجهة تغير المناخ، حيث يهدف إلى إدخال التكلفة البيئية للانبعاثات ضمن أسعار الطاقة، بحيث يتحمل الملوث تكلفة الأثر البيئي لأنشطته.

وأوضح أن ارتفاع تكلفة الكربون يدفع الشركات إلى الاستثمار في تقنيات أكثر كفاءة، كما يشجع الأفراد على تقليل استهلاك الطاقة أو التحول إلى بدائل أقل تلويثًا مثل السيارات الكهربائية أو مصادر الطاقة المتجددة.

وأشار التقرير إلى أن مستوى «سعر الكربون» يختلف بشكل كبير بين الدول، وفقًا لسياساتها الاقتصادية، حيث تعتمد بعض الدول بشكل كبير على ضرائب الكربون المباشرة أو أسواق تداول الانبعاثات، بينما تعتمد دول أخرى مثل مصر على أدوات غير مباشرة مثل ضرائب الوقود.

وأوضح أن هذا التباين يعكس اختلاف أولويات الدول وكذلك طبيعة اقتصاداتها ومدى اعتمادها على الوقود الأحفوري ومستوى الدعم الذي تقدمه للطاقة.

وخلص التقرير إلى أن تحليل معدلات الكربون الفعّالة يوفر فهمًا أعمق لكيفية تأثير السياسات الحكومية سواء الضريبية أو الداعمة للطاقة على تكلفة الانبعاثات، وبالتالي على سلوك المستهلكين والشركات.

وأكد أن تحقيق التوازن بين الضرائب والدعم يعد عنصرًا أساسيًا لضمان وجود «إشارات سعرية» واضحة تشجع على خفض الانبعاثات دون التأثير بشكل مفرط على النشاط الاقتصادي أو مستويات المعيشة.

وأشار إلى أن أي توجه مستقبلي نحو تطبيق تسعير مباشر للكربون في مصر قد يسهم في تعزيز كفاءة السياسات البيئية بشرط أن يتم ذلك بشكل تدريجي ومتوازن مع مراعاة الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية.

وأوضح أن تطوير سياسات الطاقة سواء من خلال إعادة هيكلة الدعم أو تعزيز أدوات التسعير يمكن أن يلعب دورًا مهمًا في دعم جهود التحول.