عمان – في ظل تسارع التحول الرقمي وتغير أنماط التعلم والعمل، أصبحت التقنيات الرقمية محركًا رئيسيًا في تطوير التخطيط التعليمي، حيث توفر أدوات حديثة تعيد صياغة أسس التخطيط وآليات اتخاذ القرار، مما يسهم في الانتقال من الاعتماد على التقديرات التقليدية إلى استخدام بيانات دقيقة ومتكاملة، تتيح بناء سياسات تعليمية أكثر مرونة وواقعية، وقادرة على الاستجابة لمتطلبات الواقع المتغير.

ومع تزايد الاتجاه نحو الحلول الرقمية، أصبح التخطيط التعليمي أكثر قدرة على استشراف الاحتياجات المستقبلية، ومواءمة مخرجات التعليم مع أولويات التنمية وسوق العمل المتغير.

صياغة القرار التربوي الرشيد

في هذا السياق، يشير خبراء التربية إلى أن التحول الرقمي يعد مدخلًا أساسيًا لتطوير منظومة التخطيط، وتحسين جودة السياسات التعليمية وفاعليتها، حيث تعتبر تقنيات هذا التحول العقل التحليلي للنظام التعليمي الحديث، إذ لم تعد أدوات مساندة، بل أصبحت البنية الأساسية التي يُعاد عبرها فهم الواقع التعليمي وصياغة القرار التربوي الرشيد، ويؤكد الخبير فيصل تايه أن التخطيط التعليمي هو عملية استشراف للمستقبل، مشيرًا إلى أن التقنيات الرقمية هي الوسيلة الأقدر على تحويل هذا الاستشراف إلى قرارات قائمة على معرفة دقيقة تستند للتحليل المنهجي للبيانات.

ويشير تايه إلى أن القيمة الحقيقية للتقنيات الرقمية تكمن في قدرتها على جمع البيانات التعليمية وتحليلها، مما يسمح بفهم عميق لأداء الطلبة وكفاءة المعلمين وفاعلية المناهج، حيث ينتقل التخطيط من رد الفعل إلى الفعل الاستباقي، ومن المعالجة المؤقتة إلى الحلول المستدامة، ويؤكد أن التقنيات الرقمية لا تعزز دقة التخطيط التعليمي فحسب، بل تمنحه مرونة عالية تُمكن النظام التعليمي من مراجعة خططه وتعديلها بصورة مستمرة وفق المتغيرات.

دور محوري بتنظيم التعليم

بدوره، يوضح الخبير محمد أبو عمارة أن التحول الرقمي يعد ضرورة ملحة لتطوير منظومة التخطيط، حيث تتيح التقنيات الرقمية التنبؤ بالتحديات المحتملة والشروع بمعالجتها استباقيًا، كما تساهم في استشراف مسارات التطوير المستقبلية، ويعتبر أن التخطيط التعليمي القائم على جمع وتحليل البيانات ركيزة أساسية لأي إصلاح تعليمي واقعي، حيث يتيح توقع أعداد الطلبة ونسب التسرب ومستويات التحصيل الدراسي.

ويشير أبو عمارة إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات يفتح آفاقًا واسعة للتخطيط المستقبلي، حيث يمكن التنبؤ بأعداد الطلبة وتحديد الحاجة لمدارس جديدة أو تخصصات تعليمية معينة، ويؤكد أن التقنيات الرقمية تحسن توزيع الموارد التعليمية بعدالة، مما يتيح إشراك أصحاب العلاقة في التخطيط التعليمي عبر منصات رقمية.

تحول جذري في نظم التعليم

من جهته، يؤكد الخبير عايش النوايسة أن التطورات الرقمية المتسارعة فرضت تحولًا جذريًا على النظم التعليمية، حيث باتت مطالبة بالانتقال من الأساليب التقليدية إلى أنماط تعليمية نشطة تتمحور حول الطالب، ويشير إلى أن هذه التقنيات تسهم بإحداث نقلة نوعية فنية وإدارية في التعليم، حيث مكّنت من إرساء عمليات تعلم تواكبها، ودعمت الجوانب الإدارية عبر إنشاء قواعد بيانات مركزية تربط المدارس بالمناطق التعليمية والوزارة.

ويؤكد النوايسة أن التحول الرقمي أسهم في أتمتة عمليات تعليمية وإدارية، مما خفض من الجهد والوقت، كما أتاح تخطيط ميزانيات مالية أكثر دقة، ويشير إلى أن المنصات الرقمية وفرت قنوات تواصل فاعلة وسريعة بين الإدارات المدرسية والمعلمين وأولياء الأمور، مما أسهم في إدارة الأزمات ونشر القرارات بكفاءة.

ويضيف النوايسة أن المناهج شهدت عملية رقمنة شاملة، وإدماج المهارات الرقمية لتمكين الطلبة من أدوات العصر، ويشير إلى أن الوزارة شرعت بتنفيذ مشاريع نوعية، أبرزها تطوير مناهج الحاسوب والمهارات الرقمية، وإدماج مفاهيم الذكاء الاصطناعي ضمن وحدات دراسية متخصصة، مؤكدًا أن الأنظمة التعليمية الذكية الرقمية أحدثت أثرًا إيجابيًا ملموسًا في جودة التعليم عبر مراعاة الفروق الفردية بين الطلبة وتحليل مستوياتهم التعليمية.