تتجاوز ظاهرة “التكميم الرقمي” حدود تحويل الجسد إلى أرقام، حيث تعكس تحولًا عميقًا في كيفية إدراك الإنسان لذاته ولتجربته الحياتية، مما يؤدي إلى إعادة صياغة مفاهيم الوعي والمعرفة في عصر التكنولوجيا المتقدمة، إذ لم يعد الجسد مجرد تجربة حسية بل أصبح كيانًا قابلًا للقياس والتحليل من خلال خوارزميات متطورة، مما يغير من طبيعة العلاقة بين الإنسان وجسده ويعيد تعريف الهوية الذاتية في سياق البيانات الرقمية، حيث يتم إدراك التجربة الحياتية من خلال مؤشرات رقمية تعيد تشكيل المعنى الشخصي وتؤثر على القرارات الحياتية والطبية بشكل عميق.

الجسد كمنظومة إشارات

إن الجسد في العصر الرقمي لم يعد يُختبر بوصفه واقعة حسّية خالصة، بل كمنظومة إشارات قابلة للالتقاط والمعالجة، ما كان يُدرك عبر التعب أو الخفة أو القلق، يُعاد اليوم تمثيله في هيئة أرقام ومخططات واحتمالات، الخوارزمية لا تكتفي بتسجيل ما يحدث، بل تعيد ترتيب معناه، فهي تمنح المؤشر أولوية على الشعور، والقياس أفضلية على الحدس، والتنبؤ مكانة تتقدم على التجربة المباشرة.

إدارة مستمرة للجسد

هنا تبدو العلاقة بين الإنسان وجسده أبعد من علاقة سكنٍ داخلي، بل علاقة إدارة مستمرة، فالأجهزة الذكية، والساعات القابلة للارتداء، وتطبيقات تتبع المؤشرات الحيوية، تؤسس لنمط جديد من الوعي: وعيٍ يُبنى من الخارج إلى الداخل، يتكوّن الإدراك الذاتي عبر شاشة، وتُصاغ الطمأنينة أو القلق استنادًا إلى قراءة رقمية، لا إلى إحساس عابر، وهكذا ينتقل مركز الثقل من الذات إلى نظام القياس، ومن الخبرة الحيّة إلى التفسير الخوارزمي

تأثير التقنيات المدعومة بالذكاء الاصطناعي

بالتالي فإن هذا التحول لا يقتصر على تتبّع النشاط البدني، بل يمتد إلى تخوم القرار الطبي ذاته، فالتقنيات المدعومة بالذكاء الاصطناعي باتت تُنتج تقديرات مبكرة للمخاطر، وتُنشئ نماذج تنبؤية تُعيد تعريف مفهوم الوقاية، لم يعد الطب ينتظر ظهور العرض كي يتدخل، بل يسعى إلى رصد احتماله قبل أن يتجسد، الجسد، في هذه اللحظة، يصبح مصدر بيانات متدفقة، تُغذّي أنظمة تحليل تتعامل معه كحقل احتمالات مفتوح.

الآثار المعرفية والوجودية

غير أن السؤال الأعمق لا يتعلّق بدقة هذه القياسات، بل بآثارها المعرفية والوجودية، ماذا يحدث حين يتقدّم التفسير الرقمي على التجربة؟ وحين يُعاد تشكيل الثقة في الذات عبر مؤشرات خارجية؟ هنا يتبدّل موقع الإنسان من فاعلٍ يختبر جسده إلى مراقبٍ ينتظر قراءة عنه، ومن هذا المنعطف يبدأ “التكميم الرقمي” لا كعملية تقنية فحسب، بل كإعادة ترتيب لعلاقة الإنسان بحدوده البيولوجية ومعنى حضوره الجسدي.

إعادة تشكيل اقتصادية واسعة

ليس ما يجري مجرد تطوّر تقني عابر، بل هو جزء من إعادة تشكيل اقتصادية واسعة لقطاع الصحة الرقمية، تشير تقديرات حديثة إلى أنّ سوق الأجهزة الطبية القابلة للارتداء تراوح بين 45 و55 مليار دولار في عام 2024، مع توقعات بنمو سنوي مركب يتجاوز 20 %، ما قد يدفعه إلى حدود 150 – 170 مليار دولار قبل عام 2030، أمّا سوق التكنولوجيا القابلة للارتداء بمفهومه الأوسع – الذي يشمل الساعات الذكية، وأساور تتبّع النشاط، والمجسّات الحيوية المنزلية – فقد تجاوز بالفعل عتبة 180 مليار دولار عالميًا، ويتجه ليقترب من 300 – 350 مليار دولار مع نهاية العقد الحالي وفق تقديرات مؤسسات أبحاث السوق الدولية.

الاستثمار في الصحة الرقمية

هذه الأرقام لا تعبّر عن تحوّل في سلوك المستهلكين فحسب، بل تكشف عن اندفاع استثماري كثيف من شركات التكنولوجيا الكبرى – مثل Apple وGoogle وSamsung إلى جانب صناديق رأس المال الجريء التي ترى في الصحة الرقمية أحد أعمدة اقتصاد البيانات المقبل، فالأجهزة القابلة للارتداء لم تعد مجرد ملحقات ذكية، بل تحوّلت إلى منصّات جمع بيانات حيوية عالية القيمة، تُغذّي نماذج تحليلية وتطبيقات تأمين صحي وخدمات تنبؤية جديدة.

التحديات المرتبطة بالبيانات الصحية

غير أنّ تصاعد الاستثمار يوازيه تصاعد في حساسية الأسئلة المؤجلة، فهذه الأجهزة، مهما بلغت دقتها، لا تعمل داخل فراغ طبي محايد، بل ضمن بيئات خوارزمية تُصمَّم وتُحدَّث وفق اعتبارات تجارية وتقنية محددة، هنا يصبح الحدّ الفاصل بين “المعلومة الصحية الإرشادية” و”الإيحاء الطبي” حدًا هشًا؛ إذ قد ينتج عن قراءة ناقصة اطمئنان زائف، فيما قد يقود إنذار خوارزمي مبالغ فيه إلى قلق مفرط أو تدخلات غير ضرورية، وبين هذين الطرفين يتشكّل مجال رمادي، تتقاطع فيه اعتبارات السوق مع قرارات تمسّ الجسد مباشرة.

أسئلة الحوكمة والمعايير

في هذا السياق، لا يقتصر التحدي على دقة المستشعر أو كفاءة الخوارزمية، بل يمتد إلى سؤال الحوكمة والمعايير والمساءلة: من يحدّد حدود التفسير؟ ومن يملك حق تحويل الإشارة الرقمية إلى توصية تُغيّر سلوك الإنسان أو قراره الصحي؟ هنا تتكشّف أبعاد “التكميم الرقمي” بوصفه مسارًا اقتصاديًا ومعرفيًا في آنٍ واحد، لا مجرد تطور في أدوات القياس

ملكية البيانات الصحية

هذا الأمر لا يتوقف عند دقة القياس، بل يمتد إلى ملكية البيانات، فالمعلومات الصحية، وهي من أكثر أنواع البيانات خصوصية، باتت تُجمع خارج المؤسسات الطبية التقليدية، وتُخزن في منصات رقمية عابرة للحدود، وفي ظل تفاوت الأطر التنظيمية بين الدول، يبرز خطر تحوّل هذه البيانات إلى مورد تجاري، أو إلى أداة غير مباشرة للفرز والتمييز، سواء في التأمين أو التوظيف أو تقييم ما بات يُعرف بـ”الجدارة الصحية” للأفراد
عودٌ على بدء، فإن ما يسمى “التكميم الرقمي” لا يعني مجرد تحويل الجسد إلى أرقام، بل إعادة صياغة الإنسان ضمن منطق القياس الدائم، إنّه انتقال من كائن يعيش خبرته عبر الإحساس والتأويل، إلى كيان يُعاد تعريفه عبر مؤشرات ومعادلات واحتمالات، في هذا التحول، لا يُختزل الجسد فحسب، بل يُعاد ترتيب معنى الذات ذاتها: ما يُقاس يكتسب أولوية، وما لا يُرصد يتراجع إلى الهامش، هنا يتشكّل “الإنسان بعد التكميم الرقمي” بوصفه إنسانًا محاطًا بقراءات عنه، تُضيء بعض أبعاده لكنها قد تُظلِم أبعادًا أخرى، في مفارقةٍ تجعل الدقة التقنية تتقدّم أحيانًا على عمق الفهم