في ظل التباين بين المسارات الدولية، يبرز تساؤل حول مستقبل عملية السلام في غزة، حيث يتمسك مجلس الأمن الدولي بقراراته التي تدعم خيار حل الدولتين كإطار لإنهاء الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، بينما يقود الرئيس الأميركي دونالد ترامب مبادرة جديدة تُعرف بـ”مجلس السلام”، والتي تضع إعادة الإعمار في مقدمة الأولويات، لكنها تتعرض للانتقادات بتهميش الدور الفلسطيني وتجاهل الأبعاد السياسية للصراع، مما يثير مخاوف من أن يتحول هذا المجلس إلى بديل مصغر للأمم المتحدة، مما يعزز من واقع إدارة مدنية بلا أفق سياسي، ويمنح الاحتلال مساحة أكبر لترسيخ سيطرته على الأرض، بينما يراهن الفلسطينيون على المجتمع الدولي لتحقيق حلم الدولة المستقلة، في وقت تعمل فيه حكومة الاحتلال على تثبيت واقع يهدد هذا الخيار، مما يجعل مصير السلام معلقا بين مسارين متصارعين.

أميركا تفرض تصوراتها بالقوة وفي هذا الإطار، أكد الباحث والمحلل السياسي د. عامر السبايلة أن المشهد السياسي يمر بمرحلتين متمايزتين، حيث ارتبطت الأولى بطرح فكرة “حل الدولتين” عبر مجلس الأمن، وهي صيغة وصلت إلى طريق مسدود، بينما تجسد الثانية في مقاربة إدارة ترامب، التي تبدو أكثر فاعلية من خلال فرض الوقائع بمنطق القوة، موضحا أن هذه التحولات جعلت رؤية السلام مرتبطة مباشرة بالنهج الذي يطرحه ترامب بدلا من الرؤية التقليدية لمجلس الأمن، حيث تُترجم السياسة الأميركية حاليا عبر استخدام أدوات ضغط وقوة.

تفريغ العملية من مضمونها من جانبه، أوضح رئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية د. خالد شنيكات أن “مجلس السلام” يعكس رؤية الاحتلال تجاه قطاع غزة، حيث يقتصر على مشاريع إعادة إعمار بلا ضمانات لحقوق سياسية، مما يعني تكريسا للاحتلال، مشيرا إلى أن المجلس ينسق بشكل مباشر مع الاحتلال على عكس الأمم المتحدة التي اعترفت بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وإقامة دولتهم المستقلة، وأوضح شنيكات أن هذه العملية تقترب من فرض الاستقرار في غزة عبر الضغط، مع فتح المجال أمام التهجير إذا رأت الاحتلال ذلك مناسبا، بينما تغيب عنها أي مقاربة تمنح الفلسطينيين حقوقا سياسية حقيقية، مضيفا أن الحديث يدور حول إنشاء قوة شرطة محلية مرتبطة بلجان في غزة، لكنها تخضع لإشراف دولي وتمويل خارجي يقتصر على الجوانب المدنية، دون التطرق لحل جذري للصراع، مؤكدا أن جوهر المشروع يكرس هيمنة الاحتلال بحيث يُنظر إلى الفلسطينيين كسكان بحاجة إلى خدمات أساسية بدلا من كونهم شعبا ناضلا من أجل حريته، ويتضمن المشروع تجريد حركة حماس من السلاح لضمان خلو القطاع من أي قوة عسكرية، مما يتيح للاحتلال الدخول إليه متى شاء، لافتا إلى أن العملية تستهدف تغيير الثقافة السياسية لدى الفلسطينيين بما يجعل الاحتلال مقبولا، مع الإبقاء على سيطرة الاحتلال المباشرة.

إنهاء مشروع مجلس السلام فيما قال المحلل السياسي جهاد حرب إن المشهد الحالي يتسم بوجود مسارين متوازيين متعارضين، الأول يتمثل في قرارات دولية صادرة عن مجلس الأمن وإعلان نيويورك العام الماضي، والتي تؤكد خيار حل الدولتين، في حين يقابل ذلك المسار الأميركي- الإسرائيلي الذي يرتكز على “مجلس السلام” بقيادة ترامب، موضحا أن الفلسطينيين يعيشون حالة ترقب، حيث يعتقدون أن ترامب سينشغل بالخلافات الداخلية بعد الانتخابات النصفية للكونغرس الأميركي، ما قد ينعكس على المشهد السياسي الأميركي، مضيفا أن الفلسطينيين يراهنون على عامل الزمن، حيث أن ولاية ترامب تمتد لثلاث سنوات، وأن “مجلس السلام” الذي أُقر بقرار مجلس الأمن لعامين قابل للتجديد، قد ينتهي مع مرور الوقت، مشيرا إلى أن المسارين سيبقيان في حالة صراع مفتوح، دون إمكانية التكهن بمن ستكون له الغلبة، بينما تعمل حكومة الاحتلال على ترسيخ واقع يهدف لإلغاء إمكانية قيام دولة فلسطينية، في الوقت الذي يواصل فيه الفلسطينيون التعويل على المجتمع الدولي لإقامة دولتهم، ولو في إطار متخيل، على أمل أن يتحول هذا التصور في المستقبل إلى واقع ملموس.