يتصدر ملف الحوافز المالية للقطاع الخاص النقاش البيئي في الأردن كأداة عملية تهدف إلى حماية البيئة وتعزيز التنوع الحيوي، خاصة في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه الموائل الطبيعية والموارد المائية، حيث أصبحت كلفة التدهور البيئي ملموسة وتؤثر بشكل مباشر على الأمن الغذائي والصحي والاستثماري، مما يتطلب إعادة تقييم العلاقة بين الاقتصاد والبيئة من خلال أدوات مالية تدفع القطاع الخاص نحو ممارسات أكثر استدامة وتحول حماية البيئة من التزام أخلاقي إلى قرار استثماري مدروس، وينبغي أن يرتبط نجاح هذا التوجه بإطار تشريعي واضح ونظام حوكمة يحدد معايير الاستحقاق وآليات القياس والمساءلة، إضافة إلى التنسيق المؤسسي الذي يضمن توجيه الحوافز نحو أولويات وطنية واضحة، وفقًا لآراء الخبراء.
تتزايد المخاوف من “التآكل الصامت” الذي يشهده التنوع الحيوي في الأردن، حيث يتضح من تراجع أعداد الأنواع وانحسار الموائل الطبيعية أن التعامل مع البيئة كملف ثانوي يمكن أن يؤدي إلى خسائر بيئية جسيمة، إذ يعتبر التنوع الحيوي “البنية التحتية الخفية” للاقتصاد، حيث يسهم في الحفاظ على خصوبة التربة، خاصة في منطقة الأغوار، ويعمل على حماية مصادر المياه ويحد من مخاطر الفيضانات والتصحر، مما يعزز السياحة البيئية في العديد من المناطق، لذا فإن تهميش هذا القطاع في أولويات الإنفاق لا يعكس فقط خسارة بيئية، بل يقوض الأساس الذي تقوم عليه الاستثمارات الوطنية ويحول أي نمو اقتصادي إلى نمو هش قابل للاهتزاز أمام التغيرات المناخية.
يتماشى إشراك القطاع الخاص في حماية البيئة مع بند “بيئة مستدامة” ضمن رؤية التحديث الاقتصادي، حيث يؤكد الخبراء أن الاستدامة ليست عائقًا بل ركيزة للنمو، ولكن هذا الإشراك يتطلب أكثر من مجرد تشديد التشريعات، بل يحتاج إلى برنامج حوافز ذكي يعيد صياغة المعادلة التي تحكم قرارات المستثمرين، حيث يصبح الاستثمار في رأس المال الطبيعي خيارًا منطقيًا عند تخفيض المخاطر الاستثمارية وتوفير جدوى اقتصادية واضحة.
في السياق الأردني، يمكن تصميم حوافز موجهة للتنوع الحيوي مثل إعفاءات ضريبية للشركات التي تمول برامج حماية الأنواع المهددة أو تدعم إدارة المناطق المحمية، إضافة إلى منح قروض ميسرة لمشاريع استعادة المراعي المتدهورة والأنظمة الحرجية، كما أن المنح المباشرة لإعادة تأهيل الموائل الطبيعية في الأحواض المائية الحساسة وتطوير نظام وطني للدفع مقابل الخدمات البيئية من شأنها تعزيز الالتزام بممارسات تحافظ على التنوع الحيوي وتحد من تدهور الأراضي.
تتطلب هذه الجهود تطوير برنامج حوافز وطني يتماشى مع التزامات الأردن ضمن اتفاقية التنوع الحيوي، مما يمثل خطوة عملية نحو تحويل التعهدات الدولية إلى استثمارات حقيقية في رأس المال الطبيعي، حيث يتطلب نجاح أي برنامج حوافز وجود إطار تشريعي واضح ونظام حوكمة يحدد شروط الاستحقاق وآليات القياس والمساءلة، كما يلزم وجود جهة مؤسسية مسؤولة عن التقييم والرقابة.
من جهة أخرى، تشير آراء الخبراء في التنمية المستدامة إلى ضرورة تفعيل صندوق البيئة للمسؤولية الاجتماعية، حيث يمكن إعداد نظام لصندوق بيئي بدعم من القطاع الخاص مع إعفاءات ضريبية كحوافز، كما أن التمويل الدولي لصندوق المناخ عبر مشاريع الإنتاج النظيف وتحول الطاقة المتجددة يعتبر فرصة واعدة للاستثمار الأخضر.
تعتبر الحوافز المالية المحرك الأساسي للتحول البيئي في القطاع الخاص، حيث يشير الخبراء إلى أن القطاع الخاص يتحرك وفق منطق الجدوى الاقتصادية، مما يعني أن تقديم حوافز مالية يؤدي إلى خفض المخاطر وزيادة التنافسية، خصوصًا في قطاع إدارة النفايات، حيث يمكن أن تحول النفايات من مشكلة إلى مواد خام للصناعة، مما يدفع الشركات لتبني مشاريع الفرز من المصدر وتدوير المخلفات.
تتضمن الحوافز أيضًا أشكالًا ذكية مثل الإعفاءات الضريبية والقروض الخضراء بفوائد مدعومة، بالإضافة إلى أهمية الإعفاء الجمركي على الآلات والمعدات المخصصة لمعالجة النفايات، مما يتطلب إنشاء نظام متخصص للحوافز المالية لتفادي العشوائية في المنح، حيث يجب أن يرتكز هذا النظام على مبادئ العدالة والرقابة، مع التأكد من أن الشركات لا تمارس “الغسيل الأخضر”، ويجب تطبيق مبدأ المسؤولية وإلزام الشركات بتحمل تكلفة التخلص من منتجاتها بعد انتهاء صلاحيتها، مع تقديم حوافز للابتكار في التغليف الصديق للبيئة.
كما يتطلب الأمر تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص من خلال عقود طويلة الأمد تضمن للقطاع الخاص شراء الحكومة للمواد المعاد تدويرها، وتطبيق الرقمنة عبر وجود منصة شفافة لتقديم طلبات الحوافز، مما يسهم في تحقيق أهداف البيئة والتنمية المستدامة.

