يمثل الوصول إلى المعرفة البيئية الموثوقة أساسًا حيويًا في إدارة القضايا البيئية المعقدة مثل إدارة النفايات والتنوع الحيوي والتغير المناخي حيث تزداد الحاجة إلى معلومات دقيقة تدعم صانعي القرار والباحثين في بناء سياسات فعالة تتعلق بهذه القضايا.

في ظل التحول الرقمي، برزت الأدوات المعرفية المدعومة بالذكاء الاصطناعي كوسيلة حديثة لجمع وتنظيم العلوم البيئية وتحويلها إلى معرفة قابلة للاستخدام مما يسهل فهمها وتطبيقها في مجالات مثل تغير المناخ والتلوث وإدارة الموارد الطبيعية وتعتمد هذه الأدوات على قواعد بيانات علمية مختارة تضم تقارير ودراسات بيئية متخصصة، مما يتيح تقديم إجابات موثوقة مدعومة بالمراجع حول قضايا رئيسة مثل المناخ والتنوع الحيوي والأراضي والمياه وفقًا لخبراء.

وتتميز هذه الأدوات، حسب قولهم لـ”الغد”، بتركيزها على المصادر العلمية المحكمة، بخلاف العديد من أدوات الذكاء الاصطناعي العامة التي تعتمد على محتوى الإنترنت المفتوح، مما يحد من انتشار المعلومات المضللة ويعزز الرؤى المستندة إلى الأدلة العلمية.

وتبرز أهمية هذه المنصات في قدرتها على تسهيل الوصول إلى المعرفة البيئية المعقدة عبر تلخيص التقارير والتقييمات البيئية ودعم إعداد السياسات المبنية على الأدلة وربط المعارف بين مجالات البيئة ومساعدة الباحثين والمتخصصين في الاستدامة على اكتشاف المعلومات بسرعة وكفاءة أكبر وفقًا لخبراء.

الصحة البيئية والتلوث

وفي ظل تصاعد تحديات المياه والمناخ والصحة البيئية والتلوث والتنوع الحيوي، تبرز الحاجة في الأردن إلى أداة “ذكية” مبنية على قاعدة “معرفية” في العلوم البيئية ترتبط مباشرة بالواقع المحلي وفق المختصة في قضايا المياه والبيئة د. منى هندية.

ولفتت لـ”الغد” إلى أن القضية البيئية لا تتسم بأنها “نظرية” بل ترتبط مباشرة بالحياة اليومية والاقتصاد والصحة العامة وبالاستناد إلى حجم “الضغوط” البيئية القائمة، فإن الأردن بحاجة كبيرة لهذه الأداة لزيادة “قدرة” الأفراد والطلبة والجهات الحكومية على فهم المعلومات البيئية “المعقدة” وتحويلها إلى قرارات وممارسات عملية كما ذكرت.

وضربت مثالاً على ذلك بأن استراتيجية الأردن الوطنية لتكيّف القطاع الصحي مع تغيّر المناخ 2024–2033 تحدد 7 ملفات صحية حساسة للمناخ تشمل الأمراض التنفسية والمنقولة بالماء والغذاء وتلك المنقولة بالنواقل والتغذية وموجات الحر والصحة المهنية والصحة النفسية مما يعني أن فهم العلوم البيئية في السياق الأردني لم يعد مسألة “أكاديمية” بل “ضرورة” مرتبطة بالصحة والسلامة والاستعداد المؤسسي.

وحول كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يسد الفجوة بين المعرفة العلمية وصعوبة الوصول إليها، أجابت هندية بأن ذلك يتحقق عبر تصميم القاعدة المعرفية لتسهيل الوصول للعلوم البيئية وفهمها بيسر موضحة أن الإجابات التي تتاح من القاعدة المعرفية يجب أن ترتبط بمصادر “موثوقة ومعتمدة” مع إرفاق مراجع “واضحة” ومؤشر “ثقة” وأن تقدم صيغًا مختلفة للإجابة بحسب نوع المستخدم أكان من المواطنين أو من صناع القرار أو من الباحثين.

ومن أهم التحديات التطبيقية بالنسبة للأردن، تفيد هندية بوجود “فجوات” حالية في البيانات الإقليمية والمحلية لذا يجب التقييم باستمرار وأن يؤخذ بالاعتبار دمج البيانات الوطنية والإقليمية ضمن التطوير المستقبلي مشددة على أن المعرفة البيئية موجودة بالفعل لكنها “متفرقة” بين منصات وتقارير متعددة وغالبًا بصياغة “تقنية” لا تكون سهلة على الطالب أو المواطن أو حتى غير المتخصص داخل المؤسسات.

ومن هنا، دعت لوجود أداة “موحدة” تبسط هذه المعرفة وتربطها بالسياق المحلي بحيث يمكن أن تختصر الوقت ويرفع الوعي المعرفي البيئي كما أن الأردن بحاجة “فعلية وعاجلة” إلى قاعدة معرفية ذكية للعلوم البيئية ليس فقط لتفسير المفاهيم بل لتحويلها إلى فهم قابل للتطبيق تبعًا لها.

واعتبرت أن الأداة المطلوبة يجب ألا تكون مجرد منصة معلومات بل يجب أن تعمل كجسر بين التقارير العلمية المعقدة والواقع المحلي اليومي والمعرفة البيئية واتخاذ القرار في المدرسة والجامعة والمؤسسة والمنزل وأن تكون وظيفتها مكافحة المعلومات المضللة.

وفي زمن الثورة التكنولوجية، بحسب هندية، فإن المشكلة لا تنحصر بنقص المعلومات بل بالفائض الهائل من البيانات مع أن بعضها “خاطئ أو مضلل” وهذا ما يسمى “فيضان المعلومات” حيث يؤدي انتشارها إلى “الارتباك” و”انعدام الثقة” وكثرة “السلوكيات الخاطئة”.

وقدمت هندية حلولاً لإدارة هذه الظاهرة عبر الاستماع لأسئلة المواطنين وتفهم النصائح العلمية وبناء القدرة على مقاومة التضليل وتمكين المجتمع من اتخاذ قرارات أفضل مبينة أهمية الأداة الذكية للعلوم البيئية في محاربة التضليل لكنها ربطت نجاح ذلك باعتمادها على قاعدة “معرفية مغلقة وموثوقة” بدل الاعتماد “العشوائي” على الإنترنت.

كما أن التربية الإعلامية والمعلوماتية تساعد الناس على التعامل “النقدي” مع المعلومات والتنقل “بأمان” في البيئة الرقمية وبناء “الثقة” في النظام المعلوماتي برأيها مؤكدة أن الأداة إذا جمعت بين المعرفة البيئية ومهارات التحقق والفهم النقدي فلن تكتفي بشرح ما هو التغير المناخي أو شح المياه بل ستعلّم المستخدم أيضًا كيف يميّز بين المعلومة العلمية والرأي غير الموثق أو الشائعة المنتشرة.

توافر العلوم والبيانات

وفي قطاع ملف النفايات، أكد الخبير في الشأن البيئي د. محمد الخشاشنة أن الأداة المعرفية في هذا الملف تكتسب أهمية “خاصة” باعتبار أن العلوم البيئية تشكل اللبنة الأساسية “بالتقدم” في مختلف الملفات لافتًا إلى أن المعارف يجب أن تكون مبنية على العلوم الحديثة خاصة في البيئية والنفايات كالمخلفات الإلكترونية التي تعد مواضيع مستحدثة ولا يوجد حولها الكثير من المعلومات.

وبحسب الخشاشنة، تعتبر الاتفاقيات الدولية المعنية بشأن النفايات أداة علمية تجمع المعلومات والعلوم والدراسات حولها وعبر لجنة خاصة بذلك أو عبر فرق علمية تشكل لهذه الغاية ومن ثم تأطيرها في أدلة تستفيد منها الدول في التعامل مع هذا الملف مشيرًا إلى أن المرحلة الأولى تشمل توافر العلوم والبيانات والعلم كذلك في القضايا البيئية ليصار لتشكيلها في قالب قابل للاستخدام من الأطراف وعلى صورة أداة معرفية مع مراعاة ما تتمتع به كلا منها من مستويات علمية ومعرفية واقتصادية مختلفة عن بعضها.

وأضاف أن قضية النفايات “متشعبة” والمعلومات حولها قد تصل “مضللة” حتى لأصحاب القرار لذلك فإن إدارتها من قبل الدول النامية ومن بينها الأردن تعد “متأخرة” منوهًا بأن إدارة النفايات سابقًا لم يوضع لها قوانين وأنظمة متخصصة إلا في سنوات متأخرة ومردها للمعلومات “المضللة” و”غير المبنية” على العلم والمعرفة.

وبحسبه، فإن النفايات يدخل فيها كثير من الأنواع التي تقدر بـ400 نوع وطرق معالجة مختلفة بناءً على اتفاقيات دولية متعددة مثل بازل لذا هناك حاجة لإطلاق أداة تختص بالعلوم المتعلقة بها لتسهيل فهمها وتطبيقها.

ولعل الأمر المهم في هذه الخطوة أن كل الأدلة الإرشادية التي يصل عددها ضمن اتفاقية بازل نحو 200 دليل يجب أن تقر عبر مؤتمر الأطراف رغم إعدادها من قبل فرق فنية لتشكل بذلك أداة معرفية موثوقة للدول.

وبين الخشاشنة أن الدول لا تمتلك المعرفة بكيفية استخدام هذه الأدلة لذلك فإن وجود أداة معرفية مدعومة بالذكاء الاصطناعي أمر هام لتسهيل فهمها وتطبيقها ومن بين المعارف التي تحتوي عليها هذه الأدلة معلومات فنية عن كيفية تقليل المخلفات البلاستيكية تساعد بتصحيح المعلومات “المضللة” خاصة التي “تحارب” هذا التوجه من بينها أن الدول ستربح الكثير من الأموال باعتبار أنها “منجم للبترول”.

وحث على ضرورة أن يدعو الأردن إلى جانب دول الأطراف في الاتفاقيات لإتاحة ملخصات عن الأدلة على أن تكون مبسطة وسهلة التطبيق.

وكانت ثمة محاولة منذ سنوات ماضية لتبسيط العلوم البيئية المتعلقة بقطاع النفايات تحديدًا عبر إنشاء أداة تجمع بين من يمنح المعلومات ومن يرغب باستخدامها لكنها لم “تنفذ” حسب قوله ولأن القضايا الطارئة بالبيئة ذات العلاقة بالنفايات الناتجة عن قطاعات عدة فإن ذلك يتطلب معها إنشاء أداة علمية لتحفز البحوث والدراسات لسد الفجوة المعرفية في الأردن مشددًا على أن المعلومات الموثوقة ستمكن صاحب القرار من اتخاذ قرارات مبنية على العلم.

تحديات بيئية متزايدة

ومن واقع تجربته العملية في العمل البيئي والسياساتي في الأردن، أكد رئيس اتحاد الجمعيات البيئية (الاتحاد النوعي) عمر الشوشان على أنه أصبح “واضحًا” بأن أدوات الذكاء الاصطناعي المتخصصة بالمعرفة البيئية تمثل تحولًا مهمًا في طريقة الوصول للمعلومات وتحليلها خاصة في ظل التحديات البيئية والمناخية المتزايدة التي تواجه المملكة وغالبًا يذهب جزء مهم من التمويل الدولي المخصص لقطاع البيئة والمناخ في الدول النامية إلى إعداد التقارير والدراسات والخطط الاستراتيجية.

ورغم أهمية هذه الجهود، برأيه، لكنها “تستهلك” موارد مالية وبشرية كبيرة لذلك فإن التقنيات الحديثة يمكن أن تسهم بـ”تسريع” الوصول للمعرفة العلمية وتلخيص الأدبيات الدولية وربط البيانات الواردة في التقارير العالمية مع السياق الوطني.

بالنسبة لمؤسسات المجتمع المدني البيئية في الأردن، شدد الشوشان على أنه يمكن لهذه الأدوات أن “تعزز” القدرة على إعداد أوراق السياسات والمذكرات الفنية المبنية على الأدلة وأن “تدعم” دورها في الحوار الوطني حول قضايا المناخ والمياه والتنوع الحيوي والتصحر.

ولا يقتصر الأمر على ذلك، إذ يمكنها كذلك مساعدة المؤسسات الحكومية والبرلمانية في الوصول “السريع” للمعرفة العلمية والخبرات الدولية عند مناقشة السياسات البيئية أو تطوير التشريعات المرتبطة بالمناخ والموارد الطبيعية.

اقتصاديًا، فمن وجهة نظره، فإن هذه الأدوات قد تسهم بـ”تقليل” جزء من الكلف المرتبطة بإعداد الدراسات المكتبية ومراجعة الأدبيات مما يسمح بتوجيه نسبة أكبر من التمويل نحو العمل الميداني وتنفيذ المشاريع البيئية على الأرض وهو ما يحتاجه الأردن بشكل خاص في مجالات مثل إدارة المياه واستعادة النظم البيئية والتكيف مع التغير المناخي.

ومع ذلك، أكد الشوشان أن هذه التقنيات لا يمكن أن تكون “بديلًا” عن البحث العلمي الميداني أو الرصد البيئي المباشر لأن فهم الواقع البيئي في الأردن يعتمد على البيانات المحلية والقياسات الميدانية وفهم الخصوصيات البيئية والاجتماعية للمناطق المختلفة مضيفًا أن القيمة الحقيقية لهذه الأدوات تكمن بقدرتها على “معالجة” البيانات و”ربط” المعرفة و”تسريع” التحليل بحيث تصبح أداة “داعمة” للباحث وصانع القرار وتساعد على توجيه الموارد المالية والبشرية نحو العمل التنفيذي والتأثير الحقيقي على الأرض.

التنوع الحيوي والغابات

وفي مجال التنوع الحيوي والغابات، فإن هناك حاجة ماسّة لتطوير منصة وطنية متخصصة بهذا الصدد في ظل “تبعثر” المعلومات والبيانات بين المؤسسات الحكومية والمختصين والجامعات والمنظمات الوطنية والدولية و”صعوبة” الوصول إليها وإتاحتها بالشكل الذي يدعم صنع القرار وفق المختص بالتنوع الحيوي إيهاب عيد.

وأضاف أن هذا “التشتت” يحدّ من القدرة على “الاستفادة” من الكم الكبير من البيانات التي جمعت في العقود الماضية ويجعل استخدام المعرفة البيئية في التخطيط والسياسات أمراً “معقداً” إذ يمكن معالجة هذه “الفجوة” وفق ما اقترح عيد بإنشاء منصة وطنية شاملة أو عبر تعزيز منصة تبادل المعلومات الخاصة باتفاقية التنوع الحيوي التي تديرها وزارة البيئة لتصبح “مرجعًا وطنيًا” متكاملاً للبيانات البيئية.

وأضاف “إن وجود منصة كهذه سيسهم بتسهيل الوصول للمعلومات وإتاحتها للباحثين وصناع القرار والجمهور كما سيدعم القرارات المتعلقة بحماية الغابات وإدارة الأنواع المهددة والتخطيط للحفاظ على النظم البيئية”.

وبرأيه، فإن وجود المنصة لم يأت كخطوة وليدة اللحظة بل من متطلب يحتاج إليه كل من يعمل في هذا القطاع والذي اقترح في العديد من الاستراتيجيات وخطط العمل الوطنية المتعلقة بالتنوع الحيوي والبيئة متسائلاً عن سبب التأخر بالمباشرة بالتنفيذ الفعلي في ضوء إطلاق منصات معرفية بيئية قائمة على الذكاء الاصطناعي مثل مبادرة EnvironmentGPT التي طورها برنامج الأمم المتحدة للبيئة.

وهذا الأمر يدفع بعيد تجديد الدعوة لإنشاء منصة وطنية مماثلة في الأردن لتحسين الوصول إلى المعلومات البيئية الموثوقة وتحويلها إلى معرفة قابلة للاستخدام في السياسات والبحث العلمي مبينًا أن فكرة هذه الأدوات تقوم على ربط نماذج الذكاء الاصطناعي بقاعدة بيانات “علمية موثوقة” من التقارير والدراسات البيئية مما يتيح للمستخدمين الحصول على إجابات مبنية على الأدلة العلمية بدلاً من المعلومات “غير الموثقة”.

وتزداد أهمية ذلك، بحسبه، في ظل الانتشار الواسع للمعلومات “المغلوطة” أو “المضللة” عبر وسائل التواصل والتي قد تؤثر “سلبًا” على فهم قضايا حماية الطبيعة والتنوع الحيوي وفي عصر التحول الرقمي والأتمتة يمكن لتطوير أو تبني مثل هذه المنصات أن يشكل أداة “استراتيجية” لدعم إدارة التنوع الحيوي وتعزيز الثقافة البيئية القائمة على المعرفة العلمية تبعًا له.

وتأتي أهمية هذه الخطوة كما ذكر في ظل “الضغوط المتزايدة” التي تواجه الغابات والنظم البيئية الطبيعية في الأردن نتيجة التغير المناخي والتوسع العمراني وزيادة انتشار الأنواع الغازية.