عمان – في خطوة تعكس الاهتمام المتزايد بالقطاع العقاري، أحال مجلس الوزراء مشروع القانون المعدِّل لقانون الملكية العقارية لسنة 2026 إلى ديوان التشريع والرأي لاستكمال الإجراءات الدستورية اللازمة، حيث يرى المختصون أن هذا التوجه يعكس أهمية القطاع كأحد المحركات الرئيسية للنمو الاقتصادي وركيزة أساسية لتنشيط قطاعات مرتبطة مثل البناء والتمويل والخدمات، ويهدف المشروع إلى تحديث المنظومة العقارية ومعالجة الاختلالات التي تراكمت على مر السنوات، خاصة في ملفات إزالة الشيوع وتعقيدات الإفراز والقسمة، مما أدى إلى تعطّل آلاف العقارات عن الدخول الفعلي في الدورة الاقتصادية، وهو ما أثر سلباً على حركة الاستثمار واستقرار المعاملات العقارية.

أكد المختصون أن تحرير الأصول المجمدة ورفع كفاءة الإجراءات من شأنه تعزيز الثقة في البيئة العقارية وخلق بيئة أكثر جاذبية للاستثمار، خاصة في ظل جهود الحكومة لتحقيق أهداف رؤية التحديث الاقتصادي وترسيخ الاستقرار التشريعي، كما أشاروا إلى أن تسهيل عمليات البيع والإفراز واعتماد الأدوات الرقمية، بما في ذلك التوقيع والبيع الإلكتروني، يمكن أن يختصر الوقت والتكلفة، ويقلل من البيروقراطية، مما يعزز سيولة السوق العقارية ويؤثر إيجاباً على معدلات النمو ويوسع القاعدة الاستثمارية.

أوضح المختصون أن التحول الرقمي في القطاع العقاري يمكن أن يمثل نقلة نوعية في آليات العمل، بشرط أن يترافق ذلك مع جاهزية تقنية متقدمة ومنظومة حماية إلكترونية وأمن سيبراني قادرة على صون حقوق المتعاملين وضمان سلامة البيانات والمعاملات، كما أضافوا أن إلزام الجهات الرسمية بدفع بدل الاستملاك خلال مدة محددة يسهم في تعزيز الانضباط المالي والحد من تراكم الالتزامات، مما يعزز ثقة المواطنين والمستثمرين بقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها ضمن أطر زمنية واضحة.

تحقيق التوازن

في المقابل، أشار قانونيون إلى أن تسريع الإجراءات وتبسيطها يجب أن يقترن بضمانات قانونية واضحة تكفل صحة التواقيع الإلكترونية وتمنع أي تلاعب محتمل بالإجراءات، خاصة في ظل اتساع نطاق الرقمنة وزيادة الاعتماد على الأنظمة الإلكترونية في المعاملات الحساسة، وأكدوا أن نجاح التعديلات لن يُقاس فقط بسرعة إنجاز المعاملات، بل بقدرتها على تحقيق توازن عملي بين تسهيل الاستثمار وصون الحقوق وترجمة النصوص القانونية إلى تطبيق فعّال وآمن على أرض الواقع.

يعالج مشروع القانون قضايا إزالة الشيوع من خلال تبسيط إجراءاتها وتسريعها، مما يسهم في حل عدد كبير من القضايا العالقة منذ سنوات حول آلاف العقارات، وإدخال عقارات غير مستغلة إلى الدورة الاقتصادية، مما يعزز الاستفادة من الأصول العقارية ويحد من النزاعات الممتدة، كما تضمن المشروع نصوصاً تجيز البيع الإلكتروني واعتماد التوقيع الإلكتروني، إلى جانب رقمنة جميع الإجراءات والمعاملات، بما في ذلك الدفع والإفراز والبيع، بحيث تصبح الإجراءات برمتها إلكترونية ومتوافقة مع أحكام قانون الكاتب العدل، إضافة إلى تخفيف الأعباء المالية والإجرائية المترتبة على النشر الورقي، بهدف تسهيل الأمور على المواطنين وتقليل الكلف والوقت والجهد.

سمحت التعديلات كذلك بالبيع والإفراز على المخطط قبل البدء بإنشاء العقار، على أن تصدر شهادة تخصيص يعتمدها البنك، في خطوة تهدف إلى تشجيع الاستثمار والتطوير العقاري وتوفير مرونة أكبر في تمويل المشاريع، كما تضمنت استبدال شرط إجماع الشركاء في قسمة العقارات المقام عليها أبنية، ليصبح بشرط موافقة مالكي ثلاثة أرباع العقار، وذلك دون الإخلال بحقوق باقي الشركاء، في محاولة لمعالجة حالات التعطيل التي كانت تنشأ عن اشتراط الإجماع الكامل.

يلزم مشروع القانون الحكومة والبلديات وأمانة عمّان الكبرى بدفع بدل الاستملاكات خلال مدة أقصاها خمس سنوات، مع دفع بدل تأخير عن كل سنة، إلى جانب معالجة تعارض أحكام إزالة الشيوع مع التشريعات الخاصة بالوحدات الزراعية، وبما يتوافق مع أحكام قانون تطوير وادي الأردن منعاً لازدواجية التطبيق، كما تضمن المشروع خطوات عدة للتسهيل على المواطنين وتخفيف الإجراءات المتعلقة بمعاملاتهم، من خلال تفويض الصلاحيات للمديرين في المحافظات والمناطق المختلفة، بما يحد من المركزية ويسرّع إنجاز المعاملات.

حكومة حلول لا تأجيل

في هذا الصدد، رأى وزير الدولة للشؤون الاقتصادية الأسبق الدكتور يوسف منصور أن التعديلات تمثل خطوة إيجابية من شأنها تسهيل عمليات البيع والشراء في القطاع العقاري، مما يسهم في تحريك عجلة الاقتصاد وتحقيق معدلات نمو أفضل، وأكد منصور أن تسهيل إجراءات البيع والإفراز وإزالة الشيوع والقسمة يمنح السوق مرونة أكبر، كما أن إلزام الحكومة والبلديات بدفع بدل الاستملاك خلال خمس سنوات يُعد إجراءً مهماً، لا سيما في ظل ارتباطه بالفوائد المترتبة على التأخير، ووصف الحكومة الحالية بأنها “حكومة الحلول” لا التأجيل، مشدداً في الوقت ذاته على ضرورة التركيز على تطوير القدرات المتعلقة بالحماية الإلكترونية والأمن السيبراني، خصوصاً مع التوسع في الرقمنة، لضمان حماية حقوق المواطنين وتفادي أي مشكلات قانونية أو تقنية محتملة، ودعا إلى إجراء دراسة شاملة لأنظمة إدارة المعلومات في المؤسسات الحكومية قبل رقمنتها، بهدف كشف الثغرات وتصويب الأخطاء السابقة، وإلغاء أي خطوات إجرائية لا ضرورة لها، بما يضمن انتقالاً رقمياً مدروساً لا يكرر اختلالات الماضي.

ضرورة توفير الضمانات

من جانبه، أكد نقيب المحامين الأسبق مازن ارشيدات أن مشروع القانون من شأنه تسهيل الإجراءات على المواطنين، إلا أنه شدد على أهمية توفير ضمانات كافية تكفل صحة التواقيع الإلكترونية ومنع أي تلاعب بالإجراءات، حفاظاً على حقوق المواطنين، لافتاً إلى أن عدداً كبيراً من المواطنين لم يوثق توقيعه بعد على “سند”، الأمر الذي يتطلب تعزيز التوعية والإجراءات التنظيمية قبل التوسع الكامل في الاعتماد على التوقيع الإلكتروني، وفيما يتعلق بإزالة الشيوع، أشار ارشيدات إلى أن نقل هذه المعاملة سابقاً من المحاكم إلى دائرة الأراضي لم يحقق النتائج المرجوة، واصفاً الخطوة بأنها غير موفقة، ومعتبراً أن المحاكم والقضاة أكثر قدرة على إدارة هذا النوع من النزاعات بحكم خبرتهم القانونية وطبيعة اختصاصهم القضائي، أما بخصوص الاستملاك، فأكد أن الأصل هو توافر المخصصات المالية في الخزينة قبل تحديد مدد الدفع، موضحاً أن القانون الحالي ينص على دفع بدلات الاستملاكات ويرتب فوائد مرتفعة في حال التأخير، إلا أن التحدي الأهم يبقى في القدرة الفعلية على السداد ضمن المدد المحددة، بما يضمن عدم تحميل الخزينة أعباء إضافية ويصون حقوق المواطنين في الوقت ذاته.