عمان شهدت في الآونة الأخيرة جدلاً واسعاً حول التعديلات المقترحة على قانون الضمان الاجتماعي، مما أثار مخاوف بشأن مستقبل صناديق التقاعد، وفي هذا السياق، طرح سؤال مهم حول قدرة النقابات المهنية على حماية صناديقها الخاصة من التحديات ذاتها، مما فتح المجال لنقاش حول كيفية مواجهة هذه المؤسسات للتحديات المالية والإدارية وإيجاد حلول مبتكرة لضمان استدامة صناديقها وحماية حقوق منتسبيها في ظل الضغوط المتزايدة على أنظمة التقاعد محلياً وعالمياً.
إصلاحات تؤسس لوعي جديد
وفي هذا الإطار، أكد نقيب المهندسين المهندس عبدالله عاصم غوشة أن الإشكاليات المالية والإدارية والفنية التي واجهت صناديق النقابة ظهرت قبل تلك التي طرأت على صناديق الضمان الاجتماعي، مشيراً إلى أن النقابات المهنية كانت رائدة في تعريف المجتمع بمفاهيم الدراسات الاكتوارية وأهميتها في تقييم أوضاع الصناديق وضمان استدامتها، وأوضح أن المراجعات والإصلاحات الحالية في صناديق النقابة والضمان الاجتماعي تؤسس لمرحلة جديدة من الوعي المؤسسي بأدوار هذه الصناديق، باعتبارها خط الدفاع الأول وحزمة الأمان الاجتماعي للمجتمع وللمهنيين، وأشار إلى أن المقترحات المتعلقة بالضمان الاجتماعي، سواء قوبلت بالرفض أو القبول، قد تحتوي على أفكار يمكن أن تستفيد منها النقابات المهنية، ولفت إلى أن الفارق الجوهري بين الضمان الاجتماعي وصناديق النقابات يتمثل في آلية إلزام المشتركين بالالتزام المالي تجاه هذه الصناديق، إضافة إلى اختلاف أساليب الاستثمار، حيث تخضع النقابات المهنية لإدارة موحدة في هذا المجال، بينما يعتمد الضمان الاجتماعي على جناحين منفصلين هما التأمينات والاستثمارات، وأكد غوشة أن أزمة صناديق التقاعد ليست محلية فقط، بل هي ظاهرة عالمية، حيث تمر العديد من الصناديق في دول مختلفة بمراحل حرجة، مستشهداً بما شهدته بريطانيا وفرنسا عند طرح قضية رفع سن التقاعد وكذلك التحديات التي واجهتها صناديق مهنية في الولايات المتحدة، مشدداً على أن صناديق التقاعد تشكل جزءاً أساسياً من المنظومة المالية الحديثة، وأن مسألة الاشتراكات وضمان ديمومتها تبقى محورا للنقاش المستمر على مختلف المستويات، وأكد على ضرورة مراجعة هذه الصناديق بشكل دوري لضمان قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه المشتركين.
الاستثمار وحده لا يكفي
من جهته، أكد الناطق الإعلامي باسم نقابة الأطباء الدكتور حازم القرالة أن الدراسة الاكتوارية التي أُنجزت بالتعاون مع المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي خلال الدورة السابقة، كشفت عن وجود فجوة واضحة بين حجم الاشتراكات التي يدفعها المنتسبون وقيمة الرواتب التقاعدية المصروفة، وفي ضوء هذه النتائج، قرر مجلس النقابة عرض السيناريوهات المختلفة على الهيئة العامة في اجتماع استثنائي، مع التوصية باعتماد الخيار الأمثل المتمثل في إدخال تعديلات جوهرية على نظام صندوق التقاعد، وأضاف أن الهيئة العامة وافقت على هذه التعديلات وأُرسلت إلى الجهات الحكومية، فيما لا تزال النقابة بانتظار إقرارها رسمياً، باعتبارها خطوة أساسية نحو تجاوز الأزمة وضمان استدامة الصندوق، وأشار القرالة إلى أن المجلس اتخذ إجراءات إضافية، أبرزها استحداث “الشريحة الأساسية”، التي تتيح للأطباء الانتساب إلى النقابة دون إلزامهم بالاشتراك في صندوق التقاعد، وتابع أن النقابة بذلت جهوداً كبيرة لتحسين مستويات الاستثمار والتحصيل، وهو ما انعكس في أداء مالي أفضل خلال الفترة الماضية، موضحاً أن صندوق تقاعد نقابة الأطباء يختلف في طبيعته عن كثير من الصناديق الأخرى، حيث يقوم على فكرة تكافلية بالدرجة الأولى، في حين تشكل الاشتراكات نحو 80% من قيمة الرواتب التقاعدية بينما لا تتجاوز عوائد الاستثمار والتحصيل نسبة 20%، وأكد أنه لا يمكن الاعتماد على الاستثمار وحده كمصدر رئيسي لتمويل الصندوق، بل تبقى الاشتراكات الركيزة الأساسية لاستمراره وضمان حقوق المنتسبين.
تعديلات لحماية التقاعد
بدورها، أكدت نقيبة أطباء الأسنان، الدكتورة آية الأسمر، أن النقابة بصدد إقرار تعديلات جوهرية على أنظمتها الداخلية، في خطوة تهدف إلى معالجة التحديات التي تواجه صندوق التقاعد وضمان استمراريته على المدى البعيد، وأوضحت الأسمر أن الدراسات أظهرت أن العجز في الصندوق بدأ يتشكل منذ عام 2010، وتفاقم تدريجياً حتى بلغ مستويات تنذر بخطر على مستقبل الصندوق، وأشارت إلى أن التقديرات تفيد بأن استمرار العمل بالنظام الحالي قد يؤدي إلى نفاد موارده بحلول عام 2030، وهو ما استدعى تحركاً عاجلاً لحماية حقوق الأطباء وصون مستقبلهم المهني والاجتماعي، وتشمل التعديلات المقترحة إتاحة المجال أمام الأطباء لإبرام عقود عمل مع زملائهم داخل العيادات، مما يفتح فرص تشغيل إضافية ويعزز تنظيم المهنة وفق أسس عادلة وواضحة، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على بيئة العمل في قطاع طب الأسنان، وشددت الأسمر على أن التعديلات تراعي الأوضاع المالية للأطباء، مؤكدة أنها لن تتضمن أي زيادات على رسوم الاشتراكات الشهرية الخاصة بالتقاعد، حفاظاً على استقرارهم الاقتصادي ومراعاة للأجيال الجديدة من الممارسين الذين يواجهون تحديات متزايدة.

