أكد خبراء وأكاديميون أن الدبلوماسية الأردنية تحت قيادة جلالة الملك عبدالله الثاني قد أسست نموذجًا يُعرف بـ”الدبلوماسية الهادئة والمؤثرة” والذي يعتمد على الاعتدال السياسي وبناء جسور الحوار وتعزيز التوافقات العربية في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تشهدها المنطقة.

وأوضحوا، في تصريحات لوكالة الأنباء الأردنية (بترا) اليوم الثلاثاء، أن هذا النهج الملكي الذي يجمع بين ثبات المبادئ ومرونة التحرك الدبلوماسي قد مكّن الأردن من ترسيخ مكانته كصوت عربي متوازن وموثوق في الدفاع عن القضايا العربية المركزية وعلى رأسها القضية الفلسطينية، وفي الوقت نفسه بناء مساحات للتفاهم والتنسيق بين العواصم العربية والدولية مما يعكس واقعًا جديدًا للتضامن العربي القائم على المصالح المشتركة والشراكات.

قال رئيس الجامعة الأردنية السابق، الدكتور اخليف الطراونة، إن الدبلوماسية الأردنية قد برزت خلال السنوات الماضية كنموذج لمدرسة سياسية تقوم على الهدوء الاستراتيجي والفاعلية العملية، موضحًا أن جلالة الملك عبدالله الثاني قاد شبكة واسعة من التحركات واللقاءات الإقليمية والدولية التي أسهمت في ترسيخ مكانة الأردن كصوت عربي متوازن وموثوق في القضايا الإقليمية والدولية.

أضاف الطراونة أن السياسة الخارجية الأردنية قد قامت على مزيج من ثبات المبادئ ومرونة الحركة الدبلوماسية، حيث حافظ الأردن على موقف ثابت في الدفاع عن القضايا العربية المركزية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، بالتوازي مع قدرته على بناء جسور الحوار بين العواصم العربية المختلفة خصوصًا في أوقات التباين السياسي.

وأشار إلى أن هذا النهج يعكس ما يصفه بعض الباحثين بـ”الدبلوماسية الهادئة المؤثرة”، حيث أسهمت اللقاءات والاتصالات التي يجريها جلالة الملك مع القادة العرب والدوليين في تقريب وجهات النظر وإعادة إحياء مساحات من التفاهم العربي في مرحلة تتسم بتعقيدات إقليمية غير مسبوقة.

وفيما يتعلق بمفهوم التضامن العربي، بين الطراونة أن هذا المفهوم يشهد تحولًا مهمًا، إذ لم يعد يقتصر على الشعارات السياسية بل يتجه نحو نموذج أكثر واقعية يقوم على المصالح المشتركة في ظل التحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجه الدول العربية، والتي تتطلب قدرًا أكبر من التنسيق والتكامل في السياسات العملية.

أشار إلى أن القمم العربية الأخيرة قد عكست إدراكًا متزايدًا لأهمية تعزيز أدوات العمل العربي المشترك سواء من خلال تنسيق المواقف في المحافل الدولية أو عبر تطوير أشكال التعاون الاقتصادي والأمني، لافتًا إلى بروز الدور الأردني في الدفع نحو صياغة مواقف عربية أكثر تماسكا خاصة في القضايا المصيرية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

لفت الطراونة إلى أن العلاقة بين الأردن ودول الخليج العربي تمثل نموذجًا واضحًا لمفهوم العمق الاستراتيجي المتبادل في النظام العربي المعاصر، حيث يتكامل الدور السياسي للأردن مع الثقل الاقتصادي والاستراتيجي لدول الخليج بما يسهم في دعم أمن المنطقة واستقرارها.

من جهته، أكد الأكاديمي ورئيس جامعة آل البيت السابق، الدكتور هاني الضمور، أن الدبلوماسية الأردنية قد نجحت في ترسيخ نموذج يقوم على المصداقية والاستمرارية وبناء جسور التواصل مع مختلف العواصم العربية والدولية بعيدًا عن الضجيج السياسي.

وأوضح أن هذا النهج قد تجلى بوضوح في التحركات الأردنية خلال الفترة الأخيرة، لا سيما في الجهود الدبلوماسية الهادفة إلى وقف الحرب على غزة ورفض التهجير والحفاظ على مركزية القضية الفلسطينية.

أشار الضمور إلى أن القمم العربية قد أكدت أهمية دعم الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس والتشديد على وقف الحرب وإنهاء الاحتلال بالتوازي مع تحركات دبلوماسية هدفت إلى تقريب وجهات النظر بين الدول العربية وتعزيز التنسيق في القضايا الإقليمية.

بين أن مفهوم التضامن العربي يشهد تحولًا تدريجيًا من كونه خطابًا سياسيًا عامًا إلى نموذج أكثر واقعية يقوم على المصالح المشتركة المرتبطة بأمن الدول واستقرارها وأمن الطاقة والممرات التجارية، إضافة إلى احتواء التدخلات الخارجية.

أشار إلى أن الدول العربية تمتلك أدوات عملية لتعزيز هذا التضامن من أبرزها التنسيق السياسي عبر الجامعة العربية والقمم المشتركة وتوظيف الثقل الاقتصادي العربي في دعم الاستقرار وتعزيز الشراكات الإقليمية خصوصًا مع دول مجلس التعاون الخليجي.

بدوره، قال أستاذ القانون الدستوري في الجامعة الأردنية، الدكتور مشعل الماضي، إن المنطقة العربية تشهد تحولات سياسية وجيوسياسية متسارعة فرضت على الدول العربية البحث عن صيغ جديدة للتنسيق والعمل المشترك، موضحًا أن الدبلوماسية الأردنية قد برزت في هذا السياق كنموذج يقوم على الاعتدال السياسي وبناء الجسور بين الأطراف المختلفة.

أشار الماضي إلى أن الأردن بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني قد استطاع ترسيخ خطاب سياسي متوازن يركز على الحوار والتفاهم مع الحفاظ على قنوات الاتصال مع مختلف الأطراف، الأمر الذي مكنه من لعب دور مهم في تقريب المواقف العربية تجاه عدد من القضايا الإقليمية.

أكد أن التطورات الراهنة تدفع الدول العربية إلى إدراك أن مواجهة التحديات الكبرى تتطلب مستوى أعلى من التنسيق العملي والتعاون المؤسسي، لافتًا إلى أن القمم العربية والآليات المؤسسية تمثل أدوات مهمة لتوحيد المواقف في مواجهة الأزمات الإقليمية والتدخلات الخارجية.

أشار إلى أن القضية الفلسطينية تظل القضية المركزية في الموقف الأردني، حيث يواصل الأردن الدعوة إلى تسوية عادلة وشاملة تقوم على أساس حل الدولتين وقرارات الشرعية الدولية.

من جانبه، أكد الأكاديمي في الجامعة الأردنية، الدكتور رعد التل، أن الدبلوماسية الأردنية تمثل نموذجًا للدبلوماسية الهادئة والمؤثرة التي تقوم على ثلاثة عناصر رئيسية؛ المصداقية السياسية والتحرك الهادئ عبر قنوات الحوار المباشر وبناء الثقة بين العواصم العربية.

أوضح التل أن الأردن يتمتع بسمعة دولية كطرف عقلاني ومتوازن مما أهله للعب دور الوسيط والجسر بين الأطراف المختلفة خصوصًا في القضايا الإقليمية المعقدة، أشار إلى أن مفهوم التضامن العربي يتجه اليوم نحو الواقعية القائمة على المصالح المشتركة، موضحًا أن التعاون العربي بات يرتبط بقضايا عملية تشمل الأمن الإقليمي واستقرار الطاقة والأمن الغذائي والاستثمار الاقتصادي.

أضاف أن تعزيز العمل العربي المشترك يتطلب تطوير التنسيق داخل جامعة الدول العربية وتوسيع الشراكات الاقتصادية في مجالات الطاقة والبنية التحتية إضافة إلى تعزيز التنسيق الأمني والسياسي والتحرك الدبلوماسي الجماعي في المنظمات الدولية لطرح مواقف موحدة.

أكد التل أن التنسيق الأردني مع الدول العربية ولا سيما مصر ودول الخليج يسهم في تعزيز تماسك الموقف العربي في المحافل الدولية ويزيد من قدرة الدول العربية على التأثير في القضايا الإقليمية خاصة ما يتعلق بالقضية الفلسطينية.

أشار إلى أن العلاقة بين الأردن ودول الخليج العربي تمثل نموذجًا للعمق الاستراتيجي المتبادل حيث يشكل الأردن عامل استقرار سياسي وأمني في المشرق العربي بينما توفر دول الخليج عمقًا اقتصاديًا واستثماريًا مهمًا مما يعزز الاستقرار الإقليمي ويربط بين الاستقرار السياسي والقدرة الاقتصادية في المنطقة.