تعتبر بئر الفُقير، المعروفة أيضًا باسم بئر سلمان الفارسي- رضي الله عنه-، واحدة من المعالم التاريخية البارزة في المدينة المنورة، حيث تحمل دلالات دينية وتاريخية مرتبطة بالسيرة النبوية، كما تسلط الضوء على القيم التراثية التي تعكس أنماط الحياة القديمة وأساليب الزراعة وإدارة المياه في العصور الأولى، مما يجعلها محور اهتمام للباحثين والزائرين على حد سواء.

تعود أصول البئر إلى مرحلة ما قبل الإسلام، ويرتبط اسمها بقصة إنسانية ونبوية خالدة تتعلق بالصحابي الجليل سلمان الفارسي- رضي الله عنه-، مما أكسبها مكانة خاصة في الذاكرة الإسلامية وجعلها وجهة للمهتمين بالتراث.

تقع بئر “الفُقير” جنوب شرق المسجد النبوي، حيث تبعد عنه نحو ثلاثة كيلومترات، في منطقة تاريخية عُرفت بالنشاط الزراعي، وتتميز البئر بقطر يبلغ حوالي ثلاثة أمتار، كما تحيط بها بقايا منظومة مائية قديمة من السواقي والقنوات التي كانت تُستخدم في توزيع المياه وريّ المزارع المجاورة، مما يعكس تطور أساليب الاستفادة من الموارد المائية في ذلك الزمن.

تعود تسمية بئر “الفُقير” إلى حادثة مشهورة في السيرة النبوية، حيث اشترط سيد سلمان الفارسي- رضي الله عنه- أن يغرس عددًا كبيرًا من النخيل مقابل حريته، فدعا النبي- صلى الله عليه وسلم- الصحابة إلى مساعدته، قائلاً: “فقِّروا لصاحبكم”، مما أدى إلى مساعدة الصحابة في الحفر والغرس حتى اكتمل العدد، وكان ذلك سببًا في عتقه- رضي الله عنه-

شهد موقع “بئر الفُقير” تنفيذ أعمال تأهيل وتطوير شاملة، استهدفت المحافظة على مكوناته التاريخية وإبراز قيمته التراثية بما يتناسب مع مكانته، حيث تضمنت الأعمال تعزيز عناصر السلامة والتنظيم، وتحسين بيئة الزيارة والخدمات المحيطة بالموقع، مما ساهم في تحويل البئر من موقع أثري محدود الإقبال إلى وجهة جذب سياحي وثقافي بارزة ضمن مسارات زيارة المعالم التاريخية المرتبطة بالسيرة النبوية في المدينة المنورة.

يأتي الحفاظ على الموقع وصيانته ضمن منظومة العناية بالمواقع التاريخية في المدينة المنورة، حيث يمثل تجسيدًا لرسالة الوفاء للتراث الإسلامي وإسهامًا في إبقاء هذه الشواهد حيّة في وجدان الأجيال وتعزيز حضورها في المشهد الثقافي والسياحي.