عمان – مع تصاعد النزاع الإقليمي، تتزايد التداعيات البيئية التي قد تؤثر بشكل كبير على التزامات الدول تجاه قضايا المناخ، حيث إن الصراع القائم بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة لا يقتصر على النزاعات السياسية بل يمتد ليشمل النظام القانوني البيئي العالمي، مما يحد من قدرة الدول على الوفاء بالتعهدات المناخية المتفق عليها، إذ إن هذه الحرب التي بدأت في نهاية فبراير الماضي تضع الاتفاقيات الدولية أمام اختبار حقيقي بين أولويات الأمن وأهمية الحفاظ على البيئة، بدءًا من اتفاق باريس إلى بروتوكول جنيف الإضافي، في وقت يزداد فيه الإنفاق العسكري على حساب التمويل المخصص للمناخ.

تتجاوز آثار الحرب النصوص القانونية لتصل إلى الأردن، حيث يعاني من تلوث عابر للحدود وارتفاع تكاليف الطاقة، مما يعوق الجهود المبذولة لتحقيق خفض الانبعاثات بنسبة 31% بحلول عام 2030، وفي هذا السياق، يشير الخبراء القانونيون إلى العلاقة بين الأضرار البيئية وجرائم الحرب، استنادًا إلى النصوص التي تحظر إلحاق دمار واسع وطويل الأمد بالبيئة، مع تزايد الجهود الدولية لإدراج “الإبادة البيئية” ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية.

تراجع الالتزامات المالية.

تؤدي الحروب إلى إعادة ترتيب الأولويات الدولية، حيث يتم توجيه الموارد المالية نحو الأمن والدفاع والإغاثة الإنسانية، مما يؤثر سلبًا على قضايا المناخ والتنمية المستدامة، وفقًا لرئيس لجنة البيئة والمناخ النيابية، النائب م. جهاد عبوي، الذي يشير إلى إمكانية حدوث تراجع مؤقت في الالتزامات المالية والسياسية تجاه العمل المناخي، بينما يتطلب الوضع الحالي رفع مستوى الطموحات في خفض الانبعاثات.

على الصعيد المحلي، تواجه الدول المتأثرة بشكل مباشر أو غير مباشر ضغوطًا اقتصادية إضافية تضعف قدرتها على الاستثمار في مشاريع التكيف والطاقة النظيفة، مما ينعكس سلبًا على تنفيذ الخطط المناخية، حيث إن العمليات العسكرية تُعتبر من أكثر الأنشطة البشرية تلويثًا وتدميرًا للبيئة، مما يؤدي إلى زيادة الانبعاثات نتيجة استخدام الوقود الأحفوري وتدمير البنية التحتية، كما أن تدهور الأراضي والموارد الطبيعية وتلوث المياه والهواء يزيد من هشاشة النظم البيئية.

يجب الفصل بين الأزمات السياسية والالتزامات المناخية، مع ضرورة الحفاظ على استمرارية السياسات والخطط الوطنية الخاصة بالمناخ، وتعزيز الشراكات الدولية لضمان تدفق التمويل المناخي الميسر نحو مشاريع التكيف وبناء القدرة على الصمود، وأكد عبوي على أهمية الاستمرار في تنفيذ الأجندة المناخية الأردنية، وتوسيع الاعتماد على الطاقة المتجددة لتحقيق الأمن المائي والطاقي.

تعطيل المسارات المناخية.

تُعرقل الحرب الدائرة التعهدات بموجب اتفاق باريس والاتفاقيات الدولية الأخرى، حيث تؤدي الحروب إلى تعطيل المسارات المناخية من خلال خرق ما نصت عليه المادة الرابعة من اتفاق باريس، مما يلزم الدول بتقديم وتحديث خطط المساهمات المحددة وطنياً الخاصة بخفض الانبعاثات، كما أن الحرب تؤدي إلى زيادة الانبعاثات الكربونية الناتجة عن الآليات العسكرية والحرائق، مما يتناقض مع هدف الحد من ارتفاع الحرارة.

تشير المحامية إسراء الترك إلى أن الحرب تؤدي إلى توجيه الموارد المالية المخصصة للدول المتقدمة نحو العمليات العسكرية، مما ينتهك نصوص عدة اتفاقيات دولية، مثل بروتوكول جنيف الإضافي الأول الذي يحظر استخدام أساليب القتال التي تلحق أضرارًا بالبيئة، وكذلك اتفاقية “إنمود” التي تحظر استخدام تقنيات التغيير في البيئة لأغراض عسكرية.

وحول العقوبات القانونية والمسؤولية الدولية، تشمل الأضرار البيئية الجسيمة أثناء الحروب تحت بند جرائم الحرب، مما يتيح إمكانية إلزام الدول بدفع تعويضات مالية عن الأضرار البيئية التي تلحق بدول أخرى، كما تسعى فقهاء القانون الدولي إلى إدراج “الإبادة البيئية” كجريمة خامسة ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية.

الأثر على الأردن.

ستواجه الأردن كدولة متأثرة بشكل غير مباشر تحديات حرجة تتعلق بتنفيذ وثيقة المساهمات الوطنية، حيث تلتزم بخفض انبعاثاتها بنسبة 31% بحلول 2030، لكن الحرب الإقليمية ترفع كلف الطاقة، مما يجبر الدولة على الاعتماد على مصادر طاقة طارئة قد تكون أكثر تلويثًا، مما يعطل هذا الالتزام، كما أن الحرب تزيد من موجات اللجوء، مما يرفع الطلب على المياه في وقت تعتبر فيه المملكة من أفقر دول العالم مائيًا.

تؤثر الانبعاثات والحرائق الناتجة عن القصف في دول الجوار على جودة الهواء والتنوع الحيوي في الأردن، مما يحمل البلاد أعباء بيئية لم تتسبب بها، كما أن الأردن يساهم حاليًا في صياغة اتفاقية دولية لجرائم الإبادة البيئية، مما يمثل تحركًا دوليًا لمكافحة هذه الجرائم.

تداعيات الأسلحة الفتاكة.

تشمل التداعيات البيئية للحرب تلويث الهواء والمياه الجوفية والتربة، مما يؤثر بشكل كبير على صحة الإنسان، حيث تعتبر الأسلحة المستخدمة في الحروب قوة تدميرية تؤدي إلى تدمير البيئة، كما أن العمليات العسكرية التي تستهدف المناطق البحرية تُسهم في فناء الحياة البحرية.

تشير التقارير إلى أن انقطاع توريد الغاز سيدفع الدول للاعتماد بشكل متزايد على الوقود الأحفوري في توليد الطاقة، مما يضع الحكومات أمام مأزق في توفير مصادر الطاقة، كما أن أجندة التمويل المناخي لن تكون على أولويات الدول المتقدمة في ظل توجه الإنفاق نحو العمليات العسكرية.

تحديات العمل المناخي.

تشهد أجندة العمل المناخي العالمي تحديات متزايدة بفعل النزاعات المسلحة، حيث تتسبب في ارتفاع الانبعاثات الناتجة عن العمليات العسكرية، مما يبعد التركيز الدولي عن الالتزامات المناخية، وقد أكد سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني خلال كلمته في مؤتمر الأطراف “COP29” على ضرورة الربط بين الحرب والانبعاثات.

رغم أن الأردن ليس طرفًا مباشرًا في هذه الحرب، إلا أن تداعياتها تصل بشكل غير مباشر، مما يضيف المزيد من الانبعاثات إلى الغلاف الجوي، ويزيد من مسؤولية المملكة في التخفيف منها، كما أن اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الطاقة قد ينعكس سلبًا على جهود الأردن في هذا المجال.

أما بالنسبة للتمويل، فإن الملف المناخي يشهد استقرارًا مع الشركاء الدوليين، مما يضمن استمرار التدفقات المالية المخصصة لمشاريع المناخ، كما أن الأردن يتمتع بعلاقات مستقرة مع الجهات الممولة، مما يعزز قدرته على تنفيذ مشاريع التكيف والتخفيف.

هجمات ضد البيئة.

يحظر البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف استخدام وسائل أو أساليب للقتال التي تلحق أضرارًا بالبيئة، وعلى الرغم من عدم وجود نص في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية يعتبر الاعتداء على البيئة جرائم حرب، إلا أن الاعتداء على المناخ يعد محرماً دولياً، مما يتيح للدول المتضررة مثل الأردن المطالبة بتعويضات عن الأضرار البيئية الناجمة عن هذه الحرب.