عمان تشهد نقاشات مستمرة حول ملف “الطبابة عن بُعد” حيث يعبر العديد من المهنيين عن قلقهم إزاء تعليمات توصيل الأدوية عبر المنصات الإلكترونية معتبرين أنها قد تشكل تهديدًا لصحة المرضى وتتناقض مع التشريعات المعمول بها في مهنة الصيدلة وقد أكد المعارضون أن هذه التعليمات تفتقر إلى دراسات دقيقة حول آثارها وتؤثر سلبًا على الدور المهني للصيدلي كما أنها قد تؤدي إلى ضعف العلاقة المباشرة مع المرضى مما يزيد من مخاطر وصف علاجات غير مناسبة أو سوء استخدام الأدوية.
وحذر الصيادلة من أن هذه التعليمات قد تفتح المجال أمام منصات غير مرخصة وشركات توصيل غير مضبوطة مما يهدد خصوصية بيانات المرضى وأمان الأدوية ويعرض آلاف الصيادلة لخطر فقدان وظائفهم وطالبوا بوقف العمل بالنظام الحالي وإعادة صياغته عبر لجان مختصة تأخذ بعين الاعتبار خصوصية الواقع الأردني مؤكدين أن حياة المريض ليست مجالًا للتجربة وأن أي تطوير في القطاع الصحي يجب أن يكون مدروسًا وشاملاً.
رفض تعليمات التوصيل عن بعد
وفي هذا السياق أكد نقيب الصيادلة الدكتور زيد الكيلاني أن موقف مجلس النقابة يتماشى تمامًا مع رغبة الصيادلة في عدم إدخال الصيدليات في نظام الطبابة عن بُعد وشدد الكيلاني على أنه قد طالب وزارة الصحة باستثناء الصيدليات من هذا النظام بالكامل مشيرًا إلى رفض المجلس لتعليمات توصيل الأدوية عن بعد مع وجود حوار إيجابي مع الوزارة يهدف إلى حماية صحة المواطن وضمان أمن الأدوية.
واعتبر الكيلاني أن توصيل الأدوية عبر المنصات الإلكترونية يمثل خطرًا مباشرًا على صحة المرضى موضحًا أن هذا الإجراء يتعارض مع القوانين والأنظمة التي تمنع مثل هذه الممارسات حفاظًا على سلامة الأدوية وضمان وصولها بشكل آمن وأشار إلى أن انتشار منصات غير مرخصة تستورد أدوية من الخارج يثير القلق ويستدعي تدخلاً عاجلاً من الجهات الرقابية.
وأوضح أن التعليمات الأخيرة المتعلقة بالطبابة عن بُعد كان ينبغي أن تبدأ من الطبيب والمستشفى الافتراضي وهو مشروع يدعمه الصيادلة خاصة في القطاع العام لما له من دور في تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية وخدمة المناطق الأقل حظًا لكنه أشار إلى أن ما صدر اقتصر على تعليمات توصيل الأدوية فقط مما اعتبره خطرًا على المريض في ظل غياب تعليمات واضحة بشأن الوصفة الطبية ودور الطبيب.
وبين أن توصيل الأدوية في القطاع العام قد يكون مقبولًا لوجود قاعدة بيانات دقيقة لدى وزارة الصحة بينما يثير الأمر مخاوف جدية في القطاع الخاص الذي يضم أكثر من 4 آلاف صيدلية حيث لا يُعرف على وجه اليقين لمن تُصرف الأدوية أو إن كانت تصل فعلاً إلى مستحقيها وأكد أن هذا النظام يلغي دور الاستشارة الصيدلانية المباشرة ويضعف العلاقة بين الصيدلي والمريض.
وشدد الكيلاني على أن الصيادلة ليسوا ضد التطور لكنهم يطالبون بمنظومة متكاملة تراعي جميع الجوانب منتقدًا إصدار تعليمات ناقصة لا تستند إلى دراسة واقعية وأشار إلى أن نقابة الأطباء لم تُستشر بعد في هذه التعليمات رغم أن الوصفة الطبية تمثل المرحلة النهائية في عملية الطبابة عن بُعد.
كما حذر من أن حياة المريض لا يمكن أن تُترك رهينة منصات قد تُلغى تراخيصها في أي وقت لافتًا إلى أن عملية النقل نفسها تفتقر للضوابط خاصة فيما يتعلق بدرجات الحرارة خلال الصيف والشتاء مما يهدد سلامة الأدوية وطالب الكيلاني بوقف العمل بالتعليمات الحالية وإعادة صياغتها عبر لجان مختصة مؤكدًا أن ما صدر بني على أفكار أجنبية لا تتناسب مع خصوصية الأردن وأن بعض الشروط غير منطقية وأخرى غير قابلة للتطبيق.
وقال لا نقبل أن يُطبق النظام أولاً ثم يُعدل لاحقًا بل يجب أن يكون مكتملاً منذ البداية لأن حياة المريض ليست مجالًا للتجربة.
مخاطر توصيل الدواء
من جانبه أكد الصيدلاني الدكتور زيد عبد الرحمن أن هناك حوارًا إيجابيًا متواصلًا مع وزارة الصحة حول ملف الطبابة عن بُعد مشيرًا إلى أن الهدف من هذا الحوار هو حماية صحة المواطن وضمان أمن الأدوية وصون الدور المهني للصيدلي وصولًا إلى تفاهمات واضحة تنسجم مع التشريعات الناظمة لمهنة الصيدلة وتخدم المصلحة العامة والمرضى بما يحافظ على استقرار القطاع الصحي.
وشدد عبد الرحمن على أن غياب الفحص الجسدي المباشر قد يؤدي إلى تشخيصات خاطئة ووصف علاجات غير مناسبة فضلاً عن زيادة احتمالات سوء استخدام الأدوية والتعرض لتفاعلات دوائية خطرة وهو ما يشكل تهديدًا مباشرًا لسلامة المرضى وأكد نحن كصيادلة نطالب بإجراءات تضمن رعاية آمنة وفعالة للمواطن بالدرجة الأولى.
وأشار عبد الرحمن إلى أن مهنة الصيدلة تمثل صمام أمان للقطاع الصحي وأن أي مساس بدورها أو محاولة إضعافها ينعكس سلبًا على المنظومة الصحية بأكملها واعتبر أن رفض الصيادلة للتعليمات الجديدة جاء دفاعًا عن المهنة وعن حق المواطن الأردني في الحصول على دواء آمن بعيدًا عن استغلال المتنفعين أو الدخلاء على المهنة.
افتقار للرؤية
في حين قال عضو لجنة إنقاذ المهنة في نقابة الصيادلة الدكتور فيصل الجعافرة إن ملف توصيل الأدوية عبر المنصات الإلكترونية ما يزال يفتقر إلى وضوح في الرؤية مؤكدًا أن اللجنة تسعى إلى معالجة القضية عبر القنوات القانونية والرسمية لضمان أن يكون موقفها واضحًا أمام وزارة الصحة.
وأوضح الجعافرة أن القرار الأخير لم يخضع لدراسة أثر شاملة على الصيدليات العاملة في القطاع الخاص مشيرًا إلى أنه يتعارض مع التشريعات الناظمة لتداول الأدوية بما في ذلك قانون الصحة العامة وقانون نقابة الصيادلة وقانون الغذاء والدواء التي تحصر مسؤولية صرف الدواء بالصيدلي وحده.
وأضاف أن المنصات الإلكترونية قد تستحوذ على بيانات المرضى وهو ما يشكل خطرًا على خصوصيتهم وأمن الدولة فضلاً عن أن شركات التوصيل قد تتحول إلى منافس مباشر للصيدليات عبر بيع الأدوية وتوزيعها بوسائل غير مضبوطة مما يهدد مستقبل نحو 15 ألف صيدلاني بين أصحاب صيدليات وموظفين.
وأكد الجعافرة أن هذه التطورات تستدعي تحركًا عاجلاً معلنًا أن خلية أزمة تضم أعضاء من مجلس النقابة وأصحاب الصيدليات ستجتمع قريبًا لاتخاذ الإجراءات اللازمة ضمن ما يكفله القانون والدستور دفاعًا عن المهنة وحماية لصحة المواطنين في حال لم يتم إيجاد الحلول المناسبة.
رفض صيدلاني
بدورهم أكد صيادلة تمسكهم بدورهم المهني والإنساني ورفضهم أي إجراءات قد تحول الدواء من خدمة صحية منضبطة إلى نشاط تجاري يهدد صحة المجتمع ومستقبل المهنة وأعربت الهيئة العامة عن رفضها للتعليمات الصادرة عن وزارة الصحة بتاريخ 16 كانون الأول ديسمبر 2025 معتبرة أنها تفتح المجال أمام ممارسات غير منضبطة قد تهدد سلامة المواطنين وتحول الدواء من مهنة إنسانية خاضعة للضوابط المهنية إلى نشاط تجاري بحت في مخالفة صريحة للقوانين المنظمة لمهنة الصيدلة.
وطالبت الهيئة مجلس النقابة بتبني هذا الموقف رسميًا وقيادة حوار مهني وعلمي مع الجهات المعنية وعلى رأسها المؤسسة العامة للغذاء والدواء باعتبارها الجهة المخولة قانونيًا بالإشراف على سلامة الدواء وتنظيم تداوله وحذرت من أن تجاهل هذه المطالب سيؤدي إلى أزمة ثقة مع السياسات الصحية محملة وزارة الصحة المسؤولية الكاملة عن أي تداعيات قد تنجم عن تطبيق التعليمات بصيغتها الحالية ومؤكدة ضرورة تحديد إطار زمني للحوار لتفادي الآثار السلبية المتوقعة.
تعليمات الصرف عن بُعد
وكانت قد صدرت في الجريدة الرسمية في 16 كانون الثاني ديسمبر الماضي تعليمات صرف الدواء ونقله عن بُعد لسنة 2025 الصادرة بمقتضى الفقرة د من المادة 14 من نظام الرعاية الصحية والطبية المقدمة عن بُعد رقم 51 لسنة 2023.
وبحسب المادة 3/أ تسري أحكام هذه التعليمات على صرف أو إعادة صرف الدواء من خلال الوصفة الطبية المعدة من مقدم الخدمة والموصوفة والمرسلة عن طريق المنصة وصرف أو إعادة صرف المواد المسموح بتداولها وفقًا لأحكام قانون الدواء والصيدلة.
وحظرت الفقرة ب من المادة ذاتها صرف عن بُعد الأدوية التي تتطلب إشرافًا طبيًا عند إعطائها ويقتصر استخدامها على المستشفيات والمراكز الصحية والطبية والمواد المخدرة والمؤثرات العقلية والمستحضرات المخدرة والأدوية المهدئة ومقيدة الاستخدام.
واشترطت المادة 4 أن تكون الصيدلية حاصلة على الموافقات اللازمة لتقديم الخدمة عن بُعد وفقًا لأحكام النظام والتعليمات الصادرة بمقتضاها كما اشترطت لصرف الدواء عن بُعد إرفاق وصفة طبية مستوفية شروط الوصفات الطبية من المؤسسة ومدرجًا فيها الاسم العلمي أو التجاري للدواء إذا كان الدواء من الأدوية التي يشترط لصرفها إرفاق وصفة طبية وفقًا لأحكام التشريعات ذوات العلاقة.

