كشف تقرير صادر عن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في الأردن عن تقدم ملحوظ في السياسات والإجراءات الرسمية المتعلقة بمساعدة اللاجئين السوريين في الحصول على الوثائق الضرورية، رغم التحديات القانونية والإدارية والمالية التي تعيق وصول بعض اللاجئين إلى وثائقهم الأساسية.
وبحسب التقرير، فإن قضية اللجوء في الأردن لم تعد تقتصر على توفير المأوى والخدمات الأساسية، بل امتدت إلى قضايا قانونية وإدارية أكثر تعقيداً، حيث تشكل الوثائق المدنية حجر الأساس لإثبات الهوية القانونية للاجئين وضمان حقوقهم الأساسية.
تتضمن هذه الوثائق شهادات الميلاد والزواج والوفاة، بالإضافة إلى بطاقات الهوية وتصاريح العمل، وهي ليست مجرد وثائق شخصية بل تعتبر مدخلاً أساسياً للحصول على التعليم والرعاية الصحية والمساعدات الإنسانية، كما أنها تضمن حماية قانونية للاجئين من مخاطر الهشاشة القانونية أو انعدام الجنسية.
في بلد يستضيف مئات الآلاف من اللاجئين، برزت أهمية توثيق الحالات الحيوية كأحد التحديات الرئيسية التي واجهت السلطات الأردنية والمنظمات الدولية، خاصة في ظل تعقيدات النزوح وفقدان الوثائق الأصلية والدخول غير النظامي لبعض اللاجئين، فضلاً عن محدودية الموارد والتمويل.
وركز التقرير على اللاجئين السوريين بوصفهم يشكلون غالبية اللاجئين المسجلين، لكنه تناول أيضاً أوضاع اللاجئين من جنسيات أخرى مثل العراقيين واليمنيين والسودانيين والصوماليين الذين يواجهون صعوبات إضافية في استخراج الوثائق المدنية.
وذكر التقرير أن الأردن بحلول نهاية عام 2025 كان يستضيف حوالي 444 ألف لاجئ مسجل، يشكل السوريون منهم نحو 95%، وذلك ضمن الإطار القانوني الذي تحدده مذكرة التفاهم الموقعة عام 1998 بين الحكومة الأردنية والمفوضية السامية، والتي تنظم إجراءات اللجوء والحماية ومسؤوليات الطرفين.
وأشار إلى أن إدارة الأردن لملف الوثائق المدنية للاجئين شهدت تحولاً خلال السنوات الماضية، إذ انتقلت من استجابة طارئة في السنوات الأولى للأزمة إلى إطار سياساتي أكثر تنظيماً تقوده الحكومة بهدف حماية الهوية القانونية للاجئين وضمان وصولهم إلى الخدمات الأساسية.
ورغم التطور في السياسات الحكومية، ما زال نقص الوثائق المدنية بين اللاجئين مشكلة قائمة تعود إلى عوامل متعددة، حيث أدت الحرب في سورية إلى تعطل الخدمات الحكومية المسؤولة عن إصدار الوثائق، مما دفع كثيراً من اللاجئين إلى مغادرة بلادهم دون أوراق رسمية أو مع وثائق غير مكتملة.
تشكل العوائق المالية أحد الأسباب الرئيسية لعدم استخراج الوثائق، خاصة بالنسبة للأسر التي تعيش في ظروف اقتصادية صعبة، إضافة إلى ضعف الوعي بالإجراءات القانونية اللازمة لتسجيل الحالات الحيوية.
ومن بين العوامل التي ساهمت في تعقيد الوضع القانوني لبعض اللاجئين الدخول غير النظامي إلى الأردن، فضلاً عن انتشار ما يعرف بـ “زواج الشيخ”، وهو الزواج غير الموثق رسمياً، مما يخلق لاحقاً صعوبات قانونية في تسجيل الأطفال أو إصدار الوثائق الرسمية للأسرة.
ولمواجهة هذه التحديات، نفذت الحكومة بالتعاون مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وعدد من الشركاء الدوليين سلسلة إجراءات تهدف إلى تحسين وصول اللاجئين إلى الوثائق المدنية وتنظيم أوضاعهم القانونية.
ومن أبرز هذه الإجراءات تحديث بطاقات الخدمة الصادرة عن وزارة الداخلية للاجئين السوريين، حيث جرى تطويرها إلى بطاقات بيومترية تعتمد تقنية مسح قزحية العين، مما ساهم في تنظيم الوضع القانوني للاجئين وتسهيل حصولهم على الخدمات الأساسية.
كما اتخذت السلطات الأردنية خطوة أخرى لتسهيل تسجيل الحالات الحيوية، تمثلت في إنشاء محاكم شرعية ومكاتب لدائرة الأحوال المدنية داخل مخيمي الزعتري والأزرق، مما مكّن اللاجئين من تسجيل حالات الزواج والولادة مباشرة داخل المخيمات، مما أدى إلى إصدار آلاف شهادات الميلاد والزواج في الموقع.
وأشار التقرير إلى أن هذه الإجراءات ساهمت بشكل ملحوظ في تقليل مخاطر انعدام الجنسية بين الأطفال المولودين في المخيمات، وهي إحدى القضايا القانونية التي تثير قلق المنظمات الدولية العاملة في مجال حماية اللاجئين.
إلى جانب ذلك، أطلقت الحكومة فترات عفو خاصة وأنشأت لجنة مخصصة لمراجعة الحالات القانونية المعقدة، مما سمح للاجئين الذين دخلوا الأردن بوثائق غير نظامية أو مزورة بتصحيح أوضاعهم القانونية دون التعرض لإجراءات عقابية، حيث جرت معالجة أوضاع أكثر من 3 آلاف شخص حتى أواخر عام 2025.
كما اتخذت الحكومة إجراءات أخرى لتسهيل تسجيل الحالات الحيوية، منها إعفاء اللاجئين من الغرامات المرتبطة بتسجيل المواليد المتأخر أو الزواج غير الموثق.
وبالتوازي مع هذه الخطوات، أطلقت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بالتعاون مع شركائها حملات توعية بين عامي 2013 و2018 لشرح إجراءات تسجيل الحالات الحيوية وتشجيع اللاجئين على توثيق الولادات والزيجات.
أكد التقرير أن التسجيل لدى المفوضية لعب دوراً مهماً في تعزيز وصول اللاجئين إلى الوثائق المدنية، حيث تعتبر وثائق المفوضية أساسية لضمان الوضع القانوني للاجئين في الأردن، كما تتيح لهم الحصول على بطاقة خدمات وزارة الداخلية، التي تعد بوابة رئيسة للوصول إلى الخدمات العامة مثل التعليم والرعاية الصحية والمساعدات الإنسانية.
تسهم هذه الوثائق في توفير مستوى من الحماية القانونية، إذ تساعد على تقليل مخاطر الإعادة القسرية، وهو مبدأ أساسي في القانون الدولي للاجئين يمنع إعادة اللاجئ إلى بلد قد يواجه فيه خطراً على حياته أو حريته.
لكن التقرير أشار إلى أن هذه المنظومة واجهت تحدياً جديداً في عام 2019، عندما قررت الحكومة تعليق تسجيل الوافدين الجدد لدى المفوضية، باستثناء الأطفال حديثي الولادة من عائلات مسجلة مسبقاً.
أدى هذا القرار إلى ظهور حالات داخل بعض الأسر أصبح فيها بعض أفراد العائلة مسجلين بينما بقي آخرون غير مسجلين.
يحذر التقرير من أن هذه الفجوة في التسجيل قد تؤدي إلى غياب الحماية الدولية الفعالة لبعض اللاجئين، كما تعيق قدرتهم على الوصول إلى الخدمات الأساسية أو استخراج الوثائق المدنية.
وفي حين ركزت معظم الإجراءات الحكومية على اللاجئين السوريين، يواجه اللاجئون من جنسيات أخرى تحديات إضافية في استخراج الوثائق المدنية.
بحسب التقرير، يعاني اللاجئون القادمون من العراق واليمن والسودان والصومال من ارتفاع الرسوم القنصلية لإصدار الوثائق الرسمية، إضافة إلى نقص أو غياب التمثيل الدبلوماسي للبعض في الأردن.
غالباً ما يؤدي ذلك إلى عدم تسجيل حالات الولادة أو الزواج بشكل رسمي، مما يخلق مشكلات قانونية طويلة الأمد للأسر اللاجئة.
سلط التقرير الضوء على تحدٍ آخر يتمثل في انخفاض التمويل الدولي المخصص لبرامج المساعدة القانونية للاجئين، في وقت تعد فيه هذه البرامج أساسية في مساعدة اللاجئين على استخراج الوثائق أو تصحيح أوضاعهم القانونية.
يبرز تأثير هذا التراجع بشكل خاص في محافظات مثل معان والعقبة، حيث تبقى التغطية القانونية محدودة أصلاً، مما يزيد من احتمال بقاء بعض اللاجئين خارج منظومة التوثيق المدني.
أكد التقرير أن معالجة هذه التحديات تتطلب استمرار التعاون بين الحكومة الأردنية والمنظمات الدولية والجهات المانحة لضمان بقاء الوثائق المدنية متاحة لجميع اللاجئين، باعتبارها شرطاً أساسياً للوصول إلى الحقوق والخدمات والحماية القانونية.

