أدلى السفير الأميركي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، بتصريحات تعكس ما تم تداوله في الأروقة السياسية لعقود حول حق مزعوم لإسرائيل في بسط نفوذها على الشرق الأوسط، ورغم أن الفكرة ليست جديدة، فإن الصدمة تكمن في وضوح التعبير وتوقيته، مما يشير إلى رسالة مقصودة تتعلق بإعادة رسم الخرائط بناءً على موازين القوة قبل تزيينها بلغة القانون والتاريخ، ومنذ تأسيس إسرائيل عام 1948، كان الهدف الأساسي ليس مجرد إقامة دولة ذات حدود معترف بها، بل تعزيز تفوق شامل يضمن السيطرة الأمنية والسياسية والاقتصادية على الدول العربية المحيطة، ورغم أن السيطرة المباشرة على الأراضي قد تكون مكلفة، إلا أن السيطرة الأكثر ذكاءً تتحقق من خلال تفكيك البيئات الداخلية، وزرع الانقسامات، وإذكاء صراعات الهوية، مما يؤدي إلى انشغال المجتمعات بنفسها في حروب داخلية لا تنتهي، وبالتالي تتحول الجغرافيا إلى ساحة للاقتتال الذاتي بينما يبقى المستفيد الحقيقي بعيدًا عن خطوط النار
تأتي تصريحات هاكابي في إطار إقليمي متوتر حيث تتصاعد التهديدات بالحرب، وتُعاد صياغة التحالفات، وتُختبر موازين الردع، والأخطر أن هذه الكلمات صدرت عن ممثل رسمي للولايات المتحدة، بينما التزمت الإدارة الأميركية الصمت رغم تعارضها الظاهري مع مبادرات سابقة مثل ما طرحه دونالد ترامب حول ترتيبات السلام، ويعكس هذا الصمت تحولات أعمق في الرؤية الإستراتيجية الأميركية، حيث يُعاد تعريف الأمن في الشرق الأوسط ليصبح مرادفًا لتفوق إسرائيل المطلق على حساب استقرار الإقليم
على الأرض، تترافق هذه التصريحات مع أحداث عسكرية تتطلب الانتباه، حيث تتواصل عمليات التدمير والضغط السياسي في غزة والضفة الغربية، وفي الشمال تُوجه ضربات لقيادات حزب الله، بينما تتزايد مؤشرات الاستعداد العسكري الأميركي في المنطقة، مع حشود بحرية وجوية، وأنظمة دفاع متقدمة، مما يعكس أن خيار المواجهة ليس مستبعدًا، والهدف المعلن هو كبح جماح إيران، ولكن القراءة الأوسع تشير إلى محاولة تفكيك منظومة الردع التي طورتها طهران خلال السنوات الماضية، خاصة في مجالات الصواريخ والطائرات المسيّرة، والتي باتت قادرة على تهديد القواعد الأميركية والبنية التحتية الإسرائيلية على مسافات بعيدة
في هذا السياق، الحديث عن مجلس سلام إقليمي يبدو أنه يخفي تصورًا لتحالف أمني بواجهة عربية وقيادة إسرائيلية، مما يدمج إسرائيل كقوة مركزية، ويوجه أولويات الأمن العربي نحو خصوم تُحدد هويتهم في واشنطن وتل أبيب، وهو ما يمثل مقايضة صعبة، حيث تُعد الوعود بالاستثمار والتنمية مقابل تهميش الحقوق السيادية والسياسية
غير أن المشهد لم يعد أحادي القطبية كما كان في تسعينيات القرن الماضي، فروسيا والصين تلعبان دورًا بارزًا في الحسابات، حيث ترتبط بكين بمشاريع الطاقة والتجارة في الخليج، ولا ترى في عسكرة المنطقة مصلحة لها، وتسعى لبناء توازن يحمي استثماراتها ومبادرة الحزام والطريق، بينما تنظر موسكو، المنخرطة في صراع مفتوح مع الغرب في أوكرانيا، إلى أي استنزاف أميركي إضافي في الشرق الأوسط كعامل يخدم مصالحها الإستراتيجية، مما يجعل أي حرب محتملة أكثر تعقيدًا من أن تكون مواجهة ثنائية بسيطة
أما الدول العربية، فتقف عند مفترق طرق حساس، حيث يرتبط بعضها أمنيًا بواشنطن ويعتمد على مظلتها الدفاعية، لكنه في الوقت ذاته يدرك أن أي تصعيد شامل قد يجعل بنيته التحتية النفطية والاقتصادية أهدافًا مباشرة، مما يزيد من الخشية من الانجرار إلى حرب لا يمكن التحكم بها، في ظل هشاشة إقليمية واضحة وتراجع القدرة على صياغة موقف عربي موحد يوازن بين المصالح ويصون السيادة
من منظور أعمق، ما يجري لا يعبر عن ثقة مطلقة، بل عن قلق إستراتيجي، حيث عندما تتصاعد اللغة التوسعية ويرتفع سقف الطموحات إلى الحديث عن خرائط تمتد من النيل إلى الفرات، فإن ذلك قد يعكس إدراكًا بأن ميزان الردع لم يعد مريحًا كما كان، وقد أثبتت المواجهات الأخيرة أن الضربات لم تعد تمر دون رد، مما يشير إلى محاولة لإعادة ضبط المعادلة بالقوة قبل أن تتكرس وقائع جديدة تحد من حرية الحركة
إن تصريحات هاكابي ليست مجرد زلة لسان أو مبالغة خطابية، بل تمثل مؤشرًا على مرحلة يُراد لها أن تُعاد فيها صياغة الإقليم سياسيًا وأمنيًا، والسؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بما تخطط له واشنطن أو تل أبيب، بل بكيفية استجابة العواصم العربية لهذا التحول، هل ستظل المنطقة ساحة لتصفية الحسابات الدولية، أم ستنجح في بلورة رؤية جماعية تعيد تعريف مصالحها وأولوياتها
التاريخ لا يُكتب مرة واحدة، ولا تُحسم معاركه بخطاب عابر، لكن اللحظات المفصلية تفرض على الأمم أن تختار موقعها بوضوح، بين مشروع هيمنة يتقدم بثقة ونظام دولي يتغير ببطء، تبقى إرادة الشعوب وقدرة الدول على الفعل هي العامل الحاسم، فالخرائط قد تُرسم بالقوة، لكن بقاءها مرهون دومًا بقبول من يعيشون فوقها
*متخصصة بالشؤون الإستراتيجية.