عمان تتجه الأنظار نحو المهلة التي أعلن عنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب والتي تمتد لخمس أيام، حيث تزامنت مع تصريحات حول مفاوضات غير مباشرة مع إيران، في وقت تستمر فيه التعقيدات في الملفات الأساسية بين الطرفين، مع غموض في الموقف الإيراني تجاه ما أعلنه ترامب، هذه المهلة القصيرة قد تفتح المجال لسيناريوهات متعددة تتراوح بين إمكانية التهدئة عبر تقديم تنازلات محدودة أو زيادة التصعيد العسكري في حال عدم تحقيق واشنطن لمكاسب ملموسة، وفي ظل الضغوط الداخلية على الإدارة الأميركية وتباين المواقف الإقليمية والدولية، يبقى السؤال مطروحًا حول أي من المسارين سيكون الأكثر ترجيحًا في الأيام المقبلة.
تأثير التصريحات على المشهد الإقليمي
في هذا السياق، يتناول خبراء ومحللون آراءهم حول أبعاد هذا التصريح ومدى ملاءمته للخروج من حالة الحرب الحالية بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل وإيران، حيث تتداخل تعقيدات الملفات التي قد تُناقش في حال تم الوصول فعليًا إلى مفاوضات، مما قد يعيد تشكيل المشهد السياسي والاستراتيجي في المنطقة العربية التي تشهد صراعات متعددة، بينما تلقي نيرانها بظلالها على مسارات الاقتصاد العالمي والطاقة والعلاقات السياسية والدبلوماسية الدولية.
تحديات المفاوضات
يتضح من مشهد التفاوض الذي لم يتم تأكيده بعد، ما إذا كان سيحدث أم لا، في ظل استعصاء القضايا المطروحة على طاولة الطرفين، حيث تبرز مطالب إيران بتعويضها عن الخسائر البشرية والعسكرية جراء الحرب، بالإضافة إلى السيطرة على حركة الملاحة في مضيق هرمز وحقها في التخصيب النووي وضمان وقف الأعمال الحربية ضدها وضد حليفها حزب الله في جنوب لبنان، وكذلك ضرورة تفريغ المنطقة من القواعد الأميركية، أما بالنسبة لما تريده الولايات المتحدة عند الجلوس مع إيران، فإن المشهد يشير إلى احتمال التهدئة التي قد تقود إلى مفاوضات فعلية، مما يتطلب من إيران تقديم تنازلات تتعلق ببرنامجيها النووي والصاروخي، إلى جانب تقليص تدخلاتها في الإقليم، وهو ما يعني خضوعًا غير مباشر لأطروحات الإدارة الأميركية التي ترفضها إيران وفق تصريحات قياداتها العسكرية والسياسية.
أبعاد التصريحات الأميركية
بعض المراقبين يرون أن مهلة الخمسة أيام التي أعلن عنها ترامب قد تكون نوعًا من المناورات لإظهار ميل أميركا نحو التفاوض لتخفيف الانتقادات الداخلية والدولية، وفي المقابل قد تكون محاولة لاستكمال حشد أميركي عسكري في المنطقة، تحديدًا في جزيرة خرج، حيث يتضح أن هدف التصريح قد يكون مجرد إعلان يسعى لتخفيض أسعار النفط العالمية خلال الأسبوع الحالي لتخفيف الضغوط الاقتصادية المتزايدة على الولايات المتحدة والعالم.
الملفات العالقة بين الطرفين
في هذا الإطار، قال رئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية د. خالد شنيكات إن الملفات العالقة بين إيران والولايات المتحدة لا يمكن تناولها إلا من خلال المطالب المعلنة من الطرفين، حيث تضع إيران قضية التعويضات عن الخسائر البشرية والعسكرية في مقدمة أولوياتها، إلى جانب إعادة تنظيم الوضع في مضيق هرمز الاستراتيجي، بما يمنحها اعترافًا بواقع السيطرة هناك، فضلاً عن فرض رسوم محتملة، وأكد شنيكات أن طهران تتمسك بحقها في التخصيب النووي وترفض أي تنازل في هذا المجال، كما تطالب بوقف العمليات العسكرية على مختلف الجبهات بما يشمل حزب الله وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، بالإضافة إلى إخراج القواعد الأميركية من المنطقة.
مطالب واشنطن
وأشار شنيكات إلى أن المطالب الأميركية تمثل امتدادًا لشروط سابقة سبقت اندلاع الحرب، وتشمل منع التخصيب وتقييد البرنامج الصاروخي بعدد محدد من الصواريخ، وصولًا إلى طرح فكرة تغيير النظام أو فرض إدارة مشتركة للدولة في إيران، وهو مطلب جديد نسبيًا، كما تضغط واشنطن لوقف الدعم الإيراني لوكلائها في العراق ولبنان، بالإضافة إلى تقييد استخدام الطائرات المسيرة، مبينًا أن ترامب يصر على أن إيران أبدت استعدادًا للقبول بجزء من هذه المطالب، رغم النفي الإيراني، مشيرًا إلى أن الحديث يشمل استرجاع نحو 430 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% وتقييد البرنامج الصاروخي بما لا يتجاوز ألف صاروخ ووقف الحرب.
استراتيجيات الضغط والمناورة
وأضاف شنيكات أن المفاوضات التي جرت في البداية استخدمها الرئيس ترامب كأداة ضغط قبل أن يتجه نحو التصعيد العسكري، معتبراً أن ذلك جزء من استراتيجية تقوم على التضليل، موضحًا أن الضغوط الداخلية في الولايات المتحدة، خاصة ارتفاع أسعار الطاقة والأسمدة، وما يتبع ذلك من تأثيرات ضاغطة على المزارعين، تشكل عوامل إضافية تدفع بالإدارة الأميركية للتوجه نحو المفاوضات، في حين يجري في الوقت ذاته تحضير واسع لسيناريو عسكري يشمل احتمال السيطرة على مضيق هرمز وجزيرة خرج، عصب النفط في إيران، ودرة تاجها الاقتصادية في الطاقة، والموقع الأشد حساسية لقدراتها في صناعة النفط وتصديره.
السيناريوهات المحتملة
اعتبر شنيكات أن هذا السيناريو يظل وارداً، خاصة في ظل إصرار الاحتلال الإسرائيلي على تغيير النظام السياسي في إيران، مؤكدًا أن الموقف الإسرائيلي هنا يشكل عاملاً حاسماً في تحديد اتجاه السياسة الأميركية، مشددًا على أن أي قبول إيراني بشروط أميركا للتفاوض في هذا النطاق سيُنظر إليه داخل إيران على أنه عملية استسلام، مما قد يفتح الباب أمام اضطرابات واسعة وفوضى في الداخل الإيراني قد تعصف باستقرار البلاد.
أبعاد التهدئة والتنازلات
بدوره، قال الخبير الأمني والاستراتيجي د. عمر الرداد إن المشهد الراهن في هذه الحرب يضعنا أمام احتمالين رئيسين، الأول يتمثل في تحقيق التهدئة والذهاب نحو جلوس الطرفين للتفاوض، وهو ما قد يتطلب من إيران تقديم تنازلات تتعلق ببرنامجها النووي، بما في ذلك تفكيك نحو 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب ووقف تطوير الصواريخ الباليستية بالإضافة إلى تقليص تدخلاتها الإقليمية، وأشار الرداد إلى أن مثل هذه الخطوات ستكون بمثابة استجابة غير مباشرة للأهداف التي أعلنها ترامب من وراء هذه الحرب، أما السيناريو الثاني فيتمثل في أن المهلة التي أعلن عنها ترامب لمدة خمسة أيام قد تكون مجرد مناورة استراتيجية تهدف إلى تحقيق عدة أهداف، أولها إظهار أن واشنطن تميل إلى المفاوضات لا الحرب، مما يخفف من الانتقادات الداخلية والدولية.
التوجهات العسكرية والاقتصادية
تابع الرداد أن الهدف الثاني يتعلق باستكمال الحشد العسكري الأميركي في المنطقة، بما يشمل الفرقة 82 والقوات البرمائية والغواصات، أما الهدف الثالث فيرتبط بالجانب الاقتصادي، حيث أدى الإعلان إلى انخفاض أسعار النفط العالمية، مما يخفف من الضغوط الاقتصادية المتزايدة داخل الولايات المتحدة، وأوضح الرداد أن المؤشرات تميل إلى ترجيح سيناريو التصعيد واستئناف العمليات العسكرية بشكل أوسع، وربما بدء تنفيذ التهديدات اعتبارًا من يوم الجمعة المقبل، خاصة إذا لم تحقق واشنطن مكاسب ملموسة من إيران عبر المفاوضات.
العوامل المؤثرة في القرار الأميركي
وأكد الرداد أن العامل الإسرائيلي يبقى محورياً في هذا السياق، حيث ترى تل أبيب أن إنهاء المشروع النووي الإيراني وتفكيك قدراته الصاروخية وإضعاف وكلائها في المنطقة يمثل أولوية لا يمكن التراجع عنها، وأضاف الرداد أن إسرائيل لطالما تدخلت في مراحل حاسمة لإفشال أي تفاهمات محتملة بين واشنطن وطهران، وأنها قادرة على تقويض أي اتفاق لا يلبي أهدافها سواء عبر الضغط السياسي أو من خلال خطوات عسكرية مباشرة، وشدد على أن هذا العامل الإسرائيلي يضعف فرص السيناريو الأول القائم على التهدئة، ويجعل من التصعيد واستمرار الحرب الخيار الأكثر ترجيحًا، مع احتمال أن تتطور العمليات لاحقًا لتشمل استهداف البنية التحتية للطاقة والكهرباء في إيران، مما يعمق عزلتها عن العالم.
توازن القوى في المفاوضات
فيما أكد الباحث المتخصص في الشأن الإسرائيلي عصمت منصور أن الولايات المتحدة لا تملك القدرة على اختيار من يفاوضها، معتبرًا أن طهران تبحث عن صيغة توازن تنهي الحرب من جهة وتحافظ على مصالحها من جهة أخرى، بعيدًا عن الارتهان للموقف الأميركي أو التفريط بالثوابت الوطنية، وأوضح منصور أن حدود الدور الأميركي تبقى رهناً بمدى قدرة الإدارة على ممارسة الضغط داخليًا وخارجيًا، معتبرًا أن ترامب قد يُظهر مرونة في التعامل مع الملف الإيراني، مدركًا أن الحل لا يمكن أن يتحقق إلا عبر تسوية مع النظام نفسه، وشدد على أن إسناد ملف المفاوضات إلى نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس بدلاً من شخصيات مثل المبعوث الخاص للولايات المتحدة إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف أو صهره جاريد كوشنير يحمل دلالة على أن واشنطن قد تعتمد مقاربة أكثر ليونة تجاه طهران، بما يعكس استعدادًا للتعاطي مع قضايا دولية حساسة بقدر أكبر من الواقعية.

