في سياق التحولات العالمية المتعلقة بالهجرة، أظهرت بيانات حديثة من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تراجعًا ملحوظًا في أعداد اللاجئين الذين يحتاجون إلى إعادة توطين في دول ثالثة، مما يعكس تغييرات أوسع في سياسات الهجرة والظروف الإقليمية الراهنة حيث يُقدَّر عدد اللاجئين في الأردن الذين يحتاجون لإعادة توطين هذا العام بـ32 ألف لاجئ، وهو ما يمثل 7% من إجمالي اللاجئين المسجلين، مما يشير إلى انخفاض كبير مقارنة بالسنوات السابقة، حيث كانت التقديرات تشير إلى حاجة 111 ألف لاجئ لإعادة التوطين في الأعوام الماضية، ومعظمهم من السوريين.
تشير المفوضية إلى أن محدودية الأماكن المتاحة عالميًا لاستقبال اللاجئين تبقى العامل الحاسم، حيث لا يمكن النظر فعليًا في إعادة توطين 1% من اللاجئين المحتاجين لهذه الآلية سنويًا، وبحسب بيانات المفوضية، بلغ عدد اللاجئين الذين أُعيد توطينهم من الأردن إلى دولة ثالثة العام الماضي 1,494 لاجئًا، ليصل إجمالي من أُعيد توطينهم منذ العام 2014 حتى نهاية العام الماضي إلى 8,624 لاجئًا.
يوضح المسار السنوي تراجعًا حادًا، حيث بلغ عدد المغادرين في العام 2024 نحو 7,207 لاجئين، مقارنة بـ10,761 لاجئًا في العام 2023، وتُعرّف المفوضية إعادة التوطين بأنها عملية نقل اللاجئين من بلد اللجوء الأول إلى دولة ثالثة توافق على استقبالهم وتمنحهم إقامة دائمة، مما يضمن لهم حماية قانونية وفرص اندماج واستقرار، وتُعتبر هذه الآلية واحدة من الحلول المستدامة الثلاثة لأوضاع اللجوء، بجانب العودة الطوعية إلى البلد الأصلي عندما تتوفر الظروف الآمنة، أو الاندماج المحلي في بلد اللجوء حيثما كان ذلك ممكنًا.
يرى الخبير الاقتصادي زيان زوانة أن التراجع في أعداد الساعين لإعادة التوطين لا يمكن قراءته من زاوية رقمية بحتة، بل ينبغي وضعه في سياق تحولات سياسية واقتصادية أوسع على المستويين الدولي والإقليمي، وأوضح أن أحد أبرز العوامل يتمثل بتشدد سياسات الهجرة في عدد من الدول الغربية في السنوات الأخيرة، ولا سيما في الولايات المتحدة، حيث انعكست التحولات في الخطاب السياسي والقيود المفروضة على برامج استقبال اللاجئين على مجمل منظومة إعادة التوطين العالمية.
يضيف زوانة أن تأثير هذه السياسات لا يقتصر على تقليص الحصص فحسب، بل يمتد إلى خلق حالة من عدم اليقين لدى اللاجئين أنفسهم، مما قد يدفع بعضهم لإعادة تقييم خياراتهم المستقبلية، خاصة في ظل طول الإجراءات وتعقيداتها، كما يشير إلى أن عدة دول أوروبية تتجه لتشديد معايير القبول وتعزيز سياسات الردع الحدودي، مما يسهم في تضييق المسارات التقليدية لإعادة التوطين، لافتًا إلى أن التطورات الإقليمية، وعلى رأسها الحرب على غزة، وما رافقها من تداعيات سياسية وإنسانية، كان لها أثر غير مباشر على تصورات اللاجئين تجاه فكرة الهجرة إلى الغرب.
وأضاف إن جزءًا من اللاجئين بات يعيد النظر في جدوى الانتقال إلى دول يعتبرون أن مواقفها السياسية لا تنسجم مع تطلعاتهم أو مشاعرهم، وإن كان هذا العامل يظل تفسيرًا جزئيًا يحتاج لقراءة حذرة مدعومة ببيانات نوعية أعمق، كما أشار زوانة إلى عامل مهم يتمثل بالتحولات في سورية، موضحًا أن سقوط نظام الأسد نهاية عام 2023 أسهم بزيادة وتيرة العودة الطوعية لبعض اللاجئين، مما انعكس على تراجع الاهتمام بإعادة التوطين لدى فئات معينة، خصوصًا من يفضلون البقاء في الإقليم أو العودة إذا تحسنت الظروف الأمنية والخدمية.
وتؤكد المفوضية أن إعادة التوطين ليست حقًا مكتسبًا للاجئين، بل خيار تقدمه الدول المستقبِلة وفق حصص سنوية محددة، تستند إلى سياساتها الداخلية واعتباراتها الوطنية، كما لا يملك اللاجئون حرية اختيار الدولة التي ستُعرض عليها ملفاتهم، وإن كان لهم الحق بقبول العرض أو رفضه، وتخضع عملية اختيار المرشحين لمعايير دقيقة، تركز على الحالات الأكثر ضعفًا، بما يشمل من يواجهون تهديدات مباشرة لحياتهم أو حريتهم، أو من تعرضوا لانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، أو يعانون أوضاعًا صحية أو نفسية خطيرة، لا يمكن التعامل معها بشكل كافٍ في بلد اللجوء.
كما تؤخذ في الاعتبار عوامل إضافية، من بينها الحفاظ على وحدة الأسرة، وتوافر الرعاية الصحية، وإمكانية الوصول للتعليم، ومستوى الحماية القانونية في بلد اللجوء، وبعد استكمال التقييم، تُرفع توصية إلى دولة مستقبِلة، تتولى دراسة الملف وإجراء مقابلات وفحوص أمنية وطبية قبل اتخاذ القرار النهائي.
عادة ما يحصل اللاجئون المقبولون على الإقامة الدائمة، وإمكانية العمل، والوصول للتعليم والرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية، بما يتيح لهم بدء حياة جديدة والاندماج في المجتمع، وقد يفتح ذلك لاحقًا باب الحصول على الجنسية وفق القوانين الوطنية لكل دولة، ورغم الأهمية الإنسانية لإعادة التوطين، تشير المفوضية إلى أن العملية غالبًا ما تستغرق سنوات بسبب الإجراءات الإدارية والأمنية المطولة، إضافة إلى محدودية الحصص عالميًا.
وفي ضوء هذا الواقع، تواصل المفوضية إعطاء الأولوية للحالات الأكثر هشاشة من مختلف الجنسيات، بالتوازي مع تعزيز المسارات التكميلية للهجرة الآمنة والنظامية، مثل لمّ الشمل الأسري، وبرامج الكفالة الخاصة، ومنح الدراسة والعمل في دول ثالثة، ولا تتوقع المفوضية، في الوقت الراهن، زيادة ملحوظة في أعداد المغادرين عبر إعادة التوطين خلال السنوات الثلاث المقبلة، كما لا ترجّح حدوث تدفقات لجوء كبيرة نحو الأردن، حتى مع استمرار حالة عدم الاستقرار في بعض بؤر التوتر في المنطقة.

