عمان شهد الأردن عام 2024/2025 حالة جفاف غير مسبوقة، حيث سجلت كميات الأمطار عجزاً حاداً، إذ بلغت أقل من نصف المعدل الموسمي، مما يضع البلاد أمام تحديات مائية معقدة تتطلب استجابة فعالة من مختلف القطاعات.

تساهم التغيرات المناخية في تفاقم مخاطر الجفاف، حيث تشير التحليلات المعتمدة على نماذج المناخ الإقليمية إلى زيادة وتيرة الجفاف ومدته وحدته مقارنة بما كان عليه الوضع قبل عقد من الزمن، ومن المتوقع أن يستمر هذا الاتجاه حتى منتصف القرن الحالي وفقاً لوثيقة سياسات صادرة عن لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية (الإسكوا).

تواجه قطاعات الزراعة والأمن الغذائي وأنظمة إمدادات المياه ضغوطاً شديدة نتيجة انخفاض معدلات الهطول، إضافة إلى تداعيات النزاعات وتأخر مواسم الزراعة وتراجع المخزون المائي وارتفاع مخاطر حرائق الغابات، كما ورد في الوثيقة.

أنظمة إدارة الجفاف

تظل حوكمة الجفاف في الأردن تفاعلية، حيث تم الاكتفاء بإصدار تنبيهات وجداول لتقنين المياه وتوجيهات زراعية طارئة، دون تفعيل أنظمة متكاملة لإدارة الجفاف تربط بين مؤشرات الرصد المبكر وآليات الاستجابة والتمويل المنظم، وفقاً لنفس الوثيقة.

سجلت كميات الهطول المطري في الأردن مستويات متدنية، حيث بلغت 113 ملم، أي ما يعادل 46% من المعدل الموسمي البالغ 244 ملم، مما يؤثر بشكل كبير على مخزون السدود ومعدلات تغذية المياه الجوفية، ويشير نطاق مؤشرات مبادرة “ريكّار” إلى أن ظروف الجفاف في دول المشرق العربي مرشحة للتفاقم، مع تميز الأردن كأحد البلدان الأكثر تأثراً.

تلقت مناطق الزراعات البعلية أقل من نصف معدلاتها الطبيعية من الأمطار خلال الفترة بين نوفمبر 2024 ومايو 2025، مما أسهم في خفض إنتاجية القمح والذرة الرفيعة، حيث جاءت غلال الحبوب البعلية دون المتوسط، مما زاد من اعتماد المملكة على استيراد الحبوب ورفع الضغوط المالية.

تظهر هذه المعطيات هشاشة أنظمة الزراعة البعلية التي تواجه تراجعاً في معدلات الهطول السنوية وفق سيناريوهات التغير المناخي، حيث ألحق الجفاف أضراراً بالغة بمحاصيل الزيتون، إذ انخفض إنتاج زيت الزيتون الأردني بنحو 50%، مما دفع الحكومة لدراسة خيار الاستيراد المحدود من دول مجاورة.

تكرار موسم الجفاف

كان الموسم الماضي هو الأكثر جفافاً منذ أكثر من 50 عاماً، حيث شهد الأردن تكراراً أكبر لموسم الجفاف مع تغييرات ملحوظة في توزيع الأمطار، مما أدى إلى انخفاض مخزون رطوبة التربة وضعف تغذية المياه الجوفية، وفقاً للمستشار في مجال المياه والزراعة د. جواد البكري.

وضع البكري مجموعة مقترحات للتعامل مع هذه التحديات، بما في ذلك اتخاذ إجراءات مسبقة مبنية على أنظمة تحذير مبكر لمنع الاختناقات التسويقية لأصناف الغذاء، سواء بزيادة الإنتاج في فترة محدودة أو ضعف الإنتاج كما حدث في موسم الزيتون الماضي، كما شدد على ضرورة التنسيق مع القطاع الزراعي لتشجيع النظم الزراعية الموفرة للمياه وتطوير مصادر المياه الإضافية.

مرحلة مناخية قاسية

في ظل تصاعد آثار التغير المناخي، يواجه الأردن أزمة مائية تعتبر من أخطر الأزمات في تاريخه الحديث، وهي أزمة تتجاوز تراجع الهطول المطري وارتفاع درجات الحرارة لتؤثر على الأمن الوطني والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، وفقاً لرئيس اتحاد الجمعيات البيئية عمر الشوشان.

شكل جفاف عام 2025 إنذاراً واضحاً بأن المملكة دخلت مرحلة مناخية أكثر قسوة، مما يتطلب الانتقال السريع من إدارة الأزمات المؤقتة إلى بناء منظومة صمود مائي مستدام، وأكد الشوشان أن أزمة المياه في الأردن لم تعد قضية فنية أو قطاعية بل أصبحت مسؤولية وطنية جامعة، ويزداد هذا التحدي تعقيداً بفعل عدم حصول الأردن على حصته العادلة من المياه وفق الاتفاقيات، مما زاد الضغط على المصادر الجوفية ورفع التكلفة.

إجراءات عاجلة

اقترحت وثيقة “الإسكوا” إجراءات عاجلة يمكن للحكومة اتخاذها للحد من آثار الجفاف، بما في ذلك إطلاق حملات توعية لتعزيز ثقافة ترشيد المياه وتطبيق سياسات تقنين مؤقتة وفرض قيود على الاستخدامات غير الضرورية، كما دعت لتعزيز التنسيق بين وزارات المياه والزراعة باستخدام بيانات سريعة لتوجيه الاستجابة المحلية.

شددت الوثيقة على أهمية ضمان جودة المياه المعالجة لاستخدامها في الزراعة وتخصيص دعم مالي للمزارعين أصحاب الحيازات الصغيرة، حيث تساهم هذه الإجراءات في استقرار الطلب وتخفيف المخاطر الصحية والمعيشية خلال فترات الجفاف الممتدة.

تتطلب الأولويات الإستراتيجية طويلة المدى استثمارات مؤسسية ومالية وتقنية، بما في ذلك تطوير وتنفيذ خطط وطنية لإدارة الجفاف تدمج بين الرصد وتقييم المخاطر، كما جاء في الوثيقة، مع ضرورة إنشاء مؤشرات قياسية مرتبطة بالجفاف ومؤشرات استنزاف السدود لضمان تحليل موحد للمخاطر وتوسيع أنظمة الإنذار المبكر.