عمان – أقرّت حكومة الاحتلال مؤخرًا مجموعة من القرارات التي تهدف إلى إحداث تغييرات شاملة في إدارة الأراضي وتسجيلها في الضفة الغربية المحتلة، وهو ما يعكس استمرار سياسة الضم والتهجير، وقد اعتبر خبراء سياسيون أن هذا القرار لم يكن مفاجئًا بل هو نتيجة لسياسات ممنهجة وصلت إلى ذروتها حاليًا، مما منح الاحتلال فرصة لتعزيز إجراءات الضم وهدم المباني الفلسطينية حتى في المناطق المصنفة “أ”.
وجاءت هذه القرارات بدفع من وزير الدفاع يسرائيل كاتس ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش، حيث تهدف إلى توسيع رقعة المستوطنات بشكل كبير، مما يجعل أي تراجع عنها في المستقبل محفوفًا بتعقيدات قانونية.
ووفقًا لوسائل إعلام صهيونية، يتضمن أحد الإجراءات رفع السرية عن سجلات الأراضي في الضفة الغربية وإتاحتها للجمهور، مما يسمح بالوصول إلى أسماء المالكين الفلسطينيين والتواصل المباشر معهم لشراء أراضيهم.
تتناقض هذه الخطوات مع اتفاقية الخليل الموقعة عام 1997، حيث تشير تقارير إلى أن حكومة بنيامين نتنياهو تسعى لتسريع عملية الضم قبل الانتخابات الإسرائيلية المقبلة المقررة في تشرين الأول.
رفض عربي ودولي.
قوبلت هذه القرارات برفض أميركي متسق مع موجة انتقادات دولية واسعة، شملت دولًا أوروبية ومنظمة التعاون الإسلامي وعددًا من الحكومات حول العالم، التي اعتبرت الإجراءات الإسرائيلية الأخيرة محاولة لفرض “سيادة غير قانونية” وتوسيع النشاط الاستيطاني بما يسرع عملية الضم ويؤدي إلى تهجير الفلسطينيين، وفي بيان مشترك، أدان وزراء خارجية الأردن وتركيا ومصر وإندونيسيا وباكستان والإمارات وقطر والسعودية بشدة هذه الخطوات، مؤكدين أنها تمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، ودعت إسبانيا وألمانيا وبريطانيا دولة الاحتلال إلى التراجع عن قرارها، فيما وصفت منظمة التعاون الإسلامي الإجراءات بأنها “جريمة حرب”، كل ذلك أثار تساؤلات حول سيناريوهات ومآلات سياسة الكيان الصهيوني ومدى شرعيتها وإمكانية استمرارها على الأرض.
الضفة هدف إستراتيجي للاحتلال.
أكد رئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية الدكتور خالد شنيكات أن سياسة الضم الإسرائيلية للضفة الغربية تتسارع بوتيرة متزايدة، مشيرًا إلى أن هذا السيناريو يمثل الخيار الإستراتيجي للحكومة الصهيونية الحالية التي تسعى لتكريس واقع جديد عبر توسيع المستوطنات القائمة وبناء أخرى جديدة ومصادرة المزيد من الأراضي، بالإضافة إلى تقليص صلاحيات البلديات الفلسطينية، وأوضح شنيكات أن هذه السياسة ليست وليدة اللحظة بل هي امتداد لمسار تاريخي بدأ منذ عام 1969، غير أن الحكومة الحالية دفعتها إلى مستويات غير مسبوقة، ورأى أن المواقف الدولية المعارضة تفتقر إلى الجدية والتأثير، إذ لم تُفرض عقوبات حقيقية على إسرائيل، باستثناء إجراءات أوروبية محدودة استهدفت بعض قادة المستوطنين، وتابع أن مذكرة الاعتقال الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه لم تجد طريقها إلى التنفيذ، رغم زيارات نتنياهو لدول موقعة على نظام المحكمة، وأضاف شنيكات أن الموقف العربي يعاني من تراجع الأولويات وتباين الاهتمامات، مما جعل تأثيره محدودًا في مواجهة ما وصفه بـ”كارثة الضم وتغيير الحقائق على الأرض”، وأشار إلى أن التحديات الاقتصادية والأمنية والسياسية التي تواجه العديد من الدول العربية تعيق قدرتها على اتخاذ قرارات حاسمة في هذا الملف، وبين أن دولة الاحتلال تستمر في مشروعها وهي تدرك أن ردود الفعل الدولية والعربية لن تتجاوز حدود البيانات والاعتراضات الشكلية، مؤكدًا أن خطابها للعالم يقوم على أن “الأرض أرض الميعاد والقدس قدسنا” في إشارة إلى إصرارها على فرض سيادتها الكاملة، وفي ما يتعلق بالمقاومة، توقع أن تكون الضفة الغربية مركزها الأساسي نظرًا لأن قطاع غزة يعاني من دمار واسع في بنيته التحتية ومجتمعه ومؤسساته نتيجة الحرب الأخيرة، ما يجعله بحاجة إلى وقت طويل للتعافي، وأكد شنيكات أن السيناريو الوحيد الذي تسعى دولة الاحتلال إلى تحقيقه هو الضم الكامل، وأن أي معارضة دولية أو إقليمية لن توقف هذا المسار، فيما تبقى المقاومة الفلسطينية العامل الأكثر حضورًا في مواجهة هذه السياسة.
مقايضة محتملة بين نتنياهو وترامب.
أكد الخبير العسكري والإستراتيجي نضال أبو زيد أن الخطوة الأخيرة التي أقدم عليها الاحتلال بإلغاء عدد من القوانين المتعلقة بأراضي الضفة الغربية، وفي مقدمتها قانون الأراضي الأردنية المعمول به منذ عام 1953، تمثل إجراءً متوقعًا سبق التحذير منه مرارًا، وقال أبو زيد إن هذه الخطوة قد تدفع دولة الاحتلال نحو مزيد من عمليات الضم، عبر تشريع قانوني يكرس السيطرة على الضفة الغربية ويحولها إلى واقع مفروض، وأضاف أن توقيت القرار، الذي جاء قبيل لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، يكشف عن احتمال وجود مقايضة سياسية واضحة، حيث يسعى رئيس وزراء الاحتلال إلى ربط ملف غزة وتحديدًا قضية فتح معبر رفح بشكل كامل أمام حركة الدخول والخروج، بملف الضفة الغربية، وأشار أبو زيد إلى أن هذا التزامن يوحي بأن نتنياهو قد يعرض التخفيف من تشدده في إجراءات فتح المعبر مقابل غض الطرف عن ضم أراضٍ جديدة في الضفة وإلغاء القوانين السابقة، وهو ما وصفه بالخطوة الخطرة، وبين أن عملية المقايضة المحتملة خلال زيارة ترامب قد تقوم على أساس غض الطرف عن الضم مقابل تنازل نتنياهو عن بعض القيود المتعلقة بمعبر رفح، مؤكدًا أن هذا لا يعني أن نتنياهو سيتراجع في المرحلة الثانية، بل على العكس، سيواصل الترويج لمشاريع أكثر تشددًا مثل نزع سلاح المقاومة، غير أنه قد يستخدم ملف المعبر كورقة تفاوضية في البداية، وأشار إلى أن طبيعة شخصية ترامب، التي تتسم بعقلية رجل الأعمال، في مقابل أسلوب الابتزاز السياسي الذي يتبعه نتنياهو، قد تقود إلى مرحلة من الصفقات والمقايضات بين الطرفين، وهو ما يشكل أحد أبرز السيناريوهات المتوقعة في المرحلة المقبلة، وحذر من أن ما يجري في الضفة الغربية لا يقتصر على إعادة هندسة الجغرافيا بل يتجه نحو مرحلة أخطر تتمثل في “هندسة ديمغرافية” عبر خلق بيئة طاردة تدفع الفلسطينيين للخروج بشكل نهائي من أراضيهم.
الضم والترحيل الجماعي.
حذر الباحث في الشأن الإسرائيلي عصمت منصور من خطورة السياسات التي تنتهجها الحكومة الإسرائيلية الحالية، مؤكدًا أنها تمثل التطبيق العملي لبرنامج اليمين القائم على حسم الصراع في الضفة الغربية لصالح المستوطنين، وللفت منصور إلى أن المرحلة المقبلة بعد السيطرة شبه الكاملة على الأرض وإفراغ الاتفاقيات من مضمونها، قد تتجه نحو تنفيذ عمليات ترحيل جماعي وتطهير عرقي، وهو ما يشكل السيناريو الأكثر خطورة على مستقبل الشعب الفلسطيني، وبين أن استكمال السيطرة على الأراضي يتبعه مسعى لإضعاف النظام السياسي الفلسطيني وإفراغه من محتواه، لتبقى قضية السكان الفلسطينيين العقبة الأساسية أمام المشروع الإسرائيلي، الأمر الذي قد يدفع الحكومة إلى طرح خيار “التخلص منهم” كخطوة لاحقة، وأشار إلى أن هذا السيناريو يمكن أن يتوقف فقط إذا تدخلت الإدارة الأميركية بشكل حازم لتجميد هذه السياسات ومنع تنفيذها، محذرًا من أن غياب موقف أميركي صارم سيجعل مصير الفلسطينيين على أرضهم مهددًا بشكل مباشر، كما لفت منصور إلى أن الانتخابات الإسرائيلية المقبلة قد تحمل بعض المفاجآت، حيث قد يضطر اليمين إلى الدخول في شراكة مع أحزاب الوسط، ما قد يؤدي إلى تأجيل هذه المشاريع أو إخراجها من جدول الأعمال، غير أن ذلك يبقى احتمالًا غير مضمون.

