عمان- تصاعدت أعمدة الدخان في سماء طهران ومدن إيرانية أخرى نتيجة سلسلة من التفجيرات التي نفذتها القوات الأميركية والاحتلال الإسرائيلي، وذلك في سياق متزامن مع إعلان الاحتلال عن تنفيذ “ضربة استباقية” ضد إيران، مما يزيد من حدة التوتر بين طهران من جهة والولايات المتحدة والاحتلال من جهة أخرى، وقد أظهرت مقاطع الفيديو المتداولة حالة الارتباك والذعر التي يعيشها المواطنون الإيرانيون بعد هذه الهجمات، حيث نقلت وكالات الأنباء العالمية صورًا تعكس هذه الأجواء القلقة.
في هذا السياق، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن بدء حملة عسكرية ضد إيران، مشيرًا إلى أن الهدف منها هو “حماية الشعب الأميركي من التهديدات الوشيكة التي يشكلها النظام الإيراني”، معتبرًا أن الأنشطة الإيرانية تعرض الولايات المتحدة وقواتها وحلفاءها للخطر، واصفًا العمليات بأنها “واسعة النطاق ومستمرة”، وتعكس التصريحات الأميركية احتمال أن تكون المواجهة طويلة الأمد، حيث يرتبط مسارها بحجم الرد الإيراني وقدرة واشنطن والاحتلال على فرض معادلة ردع سريعة.
المواجهة الطويلة ستنعكس سلبًا على إيران، وفي هذا السياق، أوضح الخبير الأمني والإستراتيجي د. عمر الرداد أن المعطيات الميدانية والسياسية تشير إلى أننا أمام حرب قد تكون مفتوحة، وما تزال في مراحلها الأولى، معربًا عن اعتقاده بأن هذه المواجهة لن تُطوى صفحتها إلا بإسقاط النظام الإيراني كهدف استراتيجي لكل من الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، أو على الأقل بإضعافه إلى حد يفقده القدرة على تهديد الإقليم بشكل عام، وأشار إلى أن استمرار العمليات لعدة أيام أمر وارد، لافتًا إلى أن الرد الإيراني الأولي قد يتجه نحو مطالبة دول الخليج والدول المتضررة بالتدخل لاحتواء التصعيد ووقف الحرب.
كما أشار الرداد إلى أن إطالة أمد المواجهة ستؤثر سلبًا على القدرات القتالية الإيرانية، بما في ذلك إمكانات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة، مما قد يؤدي تدريجيًا إلى تراجع فاعلية الرد، وأفاد بأن هذه الحرب تختلف عن المواجهة التي استمرت 12 يومًا في يونيو من العام الماضي، حيث كان هدفها محددًا بوضوح من الجانب الأميركي، والذي تمثل في إنهاء البرنامج النووي الإيراني أو تأخيره، ولفت الرداد إلى أن الولايات المتحدة تدخلت في اليوم الأخير من تلك الحرب، في ظل تباين واضح في وجهات النظر آنذاك.
وأضاف أن الاحتلال نجح في خفض مستوى التهديد الذي تمثله تلك الأذرع، غير أن ضغوط الاحتلال إلى جانب ضغط تيار اليمين الأميركي المتشدد الداعم له، أسفرت في نهاية المطاف عن تبني هدف إسقاط النظام كخيار أميركي- إسرائيلي مشترك، مما قد يفسر الضربات الأولى التي نُفذت صباح أمس واستهدفت مراكز تابعة للنظام الإيراني، وشدد الرداد على أن نهاية الحرب ما تزال غير واضحة المعالم، لكنه لا يرجح أن تطول كثيرًا في ظل التفوق العسكري الأميركي والإسرائيلي المدعوم بحلفاء واشنطن في المنطقة، مؤكدًا أن إيران تواجه طيفًا واسعًا من الدول والقوى الإقليمية، مما سيحد تدريجيًا من قدرتها على المناورة أو تنفيذ ردود مؤثرة.
الرسالة: لا تعايش مع النظام الإيراني، قال الباحث والمحلل السياسي د. عامر السبايلة إن اندلاع الحرب في هذا التوقيت لم يكن مفاجئًا، بل جاء بعد اكتمال التحضيرات السياسية والعسكرية، مؤكدًا أن الخطابين اللذين ألقاهما كل من بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترامب عكسا توافقًا واضحًا، مفاده أن التعايش مع النظام الإيراني لم يعد ممكنًا في ظل امتلاكه قدرات باليستية وبحرية متقدمة، وأشار ترامب إلى أن الملف النووي لم يعد القضية المركزية كما كان في السابق، بل إن النقاش اليوم يتجه نحو إحداث تغيير في المعادلة القائمة.
وبين السبايلة أن اغتيال عدد من القادة في الساعات الأولى من العمليات أعقبه استهداف واسع لمقدرات إيران العسكرية وقدراتها الاستراتيجية، مما يدل على أن الضربات لم تكن محدودة أو رمزية، بل جاءت ضمن خطة تستهدف البنية الصلبة للنظام وأدوات قوته، وأضاف أن دعوة ترامب الإيرانيين إلى النزول إلى الشارع وأخذ زمام المبادرة، وإن لم تُصغ بشكل صريح تحت عنوان “تغيير النظام”، فإنها تحمل في مضمونها هذا الاتجاه، واعتبر السبايلة أن مجمل هذه المؤشرات توضح أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة، وأن المسار الحالي يضع الجميع أمام تطورات مفتوحة على احتمالات واسعة.
نهاية الحرب رهن بحجم الخسائر، فيما قال رئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية د. خالد شنيكات إن من الصعب على أي محلل أن يتنبأ بكيفية انتهاء الحروب أو توقيتها، موضحًا أن قراءة البدايات أسهل بكثير من استشراف النهايات، مضيفًا أن التجارب التاريخية تؤكد هذه الحقيقة، فالحروب عبر العصور تنطلق بقرارات واضحة لكن مساراتها الزمنية تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة، وأشار إلى أن الحرب الأميركية على العراق عام 2003 قُدر لها آنذاك أن تستمر 3 أسابيع فقط، لكنها امتدت فعليًا لأعوام، وكذلك الحال في الحرب الروسية الأوكرانية التي قيل إنها قد تُحسم خلال 6 أشهر إلا أنها ما تزال مستمرة منذ سنوات.
واستحضر شنيكات الحربين العالميتين الأولى والثانية للتأكيد على أن النزاعات الكبرى غالبًا ما تتجاوز التوقعات الأولية بشأن مدتها، موضحًا أن المشهد الحالي لا يختلف كثيرًا، فالمؤشرات تفيد بأن إيران أعدت نفسها للمواجهة، كما فعلت الولايات المتحدة وإسرائيل، ولفت إلى أن مسار الحرب سيتحدد بدرجة كبيرة وفق حجم الخسائر التي يُلحقها كل طرف بالآخر، ومدى تأثير الضربات التي ينفذها، مبينًا أنه إذا كانت الضربات حاسمة ومؤثرة، فقد تُسرع تطور الأحداث، سواء باتجاه التصعيد أو نحو التهدئة ووقف العمليات.
وأضاف شنيكات أنه لا يعتقد أن ترامب معني بالانخراط في حرب طويلة الأمد مع إيران، مرجحًا أن يسعى إلى مخرج يتيح له إعلان تحقيق أهداف محددة، مثل استهداف مواقع نووية أو أجزاء من البرنامج النووي ومنظومات الصواريخ، ثم القول إن المهمة أُنجزت، وبين أن إسرائيل قد تتبنى مقاربة مشابهة، إلا أن الأمر في جوهره يتوقف على طبيعة الرد الإيراني، وتابع أن استمرار إسرائيل في القصف، في حال لم تتكبد خسائر تُذكر، قد يدفعها إلى مواصلة العمليات لفترة مفتوحة، أما إذا تعرضت لخسائر مؤثرة، فقد تعيد حساباتها وتقبل بوقف الحرب حتى دون تحقيق الأهداف التي أعلنتها في بدايتها، وأكد شنيكات أن الهدف المعلن والأكبر لهذه الحرب هو تغيير النظام في إيران، إلا أن تحقيق هذا الهدف يتطلب، وفق تقديره، تدخلاً بريًا وثورة داخلية في آن واحد، مشيرًا إلى أن مثل هذه المؤشرات لم تظهر في حرب الأيام الـ12 السابقة، كما أنه لا توجد حتى الآن دلائل واضحة على وجود تمرد داخلي أو تحرك من هذا النوع في المرحلة الحالية.

