تعتبر منهجية تقييم عوامل الخطورة في قضايا العنف الأسري أداة أساسية تدعم اتخاذ القرارات القضائية المتعلقة بإصدار أوامر الحماية للناجين من العنف الأسري، حيث تشهد ممارسات القضاء تقدماً ملحوظاً في تفعيل هذه الأوامر لضمان حماية الأفراد المعرضين للعنف، وفي هذا الإطار، أعلن مركز العدل للمساعدة القانونية بالشراكة مع المجلس الوطني لشؤون الأسرة ووزارة التنمية الاجتماعية عن تطوير دليل خاص لتقييم عوامل الخطورة في قضايا العنف الأسري، وذلك ضمن مشروع “جسور عدالة” المدعوم من السفارة الكندية، ليكون أول دليل إرشادي يُستخدم في إعداد تقارير الاختصاصيين الاجتماعيين خلال مراحل الاستجابة الأولى للتعامل مع حالات العنف الأسري، مما يسهم في دعم إصدار أوامر الحماية.

يهدف الدليل الذي تم إعداد مسودته الأولى إلى تحديد مستوى الخطورة وأولويات الاحتياجات للناجين من العنف، كما يربط بين مستوى الخطورة والتدابير المناسبة لأوامر الحماية من حيث نطاقها وشدتها ومدى استعجالها، حيث تصدر المحكمة المختصة أمر الحماية وفقاً لقانون الحماية من العنف الأسري رقم (15) لسنة 2017، وتقتصر صلاحياته على الجهات القضائية، ويشمل عدة إجراءات لحماية المتضررين من المعتدي، مثل عدم التعرض لهم أو لأفراد أسرهم، أو الإضرار بممتلكاتهم الشخصية، أو الاقتراب من أماكن إقامتهم، أو توفير أي أمر حماية تقرره المحكمة.

تم عرض ملامح مسودة الدليل في مؤتمر وطني نظمته مركز العدل مؤخراً برعاية وزير التنمية الاجتماعية وفاء بين مصطفى، التي اعتبرت أن أوامر الحماية تمثل إدامة قانونية وقائية محورية للناجين من العنف، كما تم استعراض أبرز التحديات التي تواجه تفعيل تطبيق أوامر الحماية، بما في ذلك تراجع الأطراف المتضررة من العنف الأسري عن التقدم بشكوى أو طلب لأمر الحماية إلى المدعي العام.

تتضمن التحديات التي تم مناقشتها تفاوت الممارسات في تقييم عوامل الخطورة في قضايا العنف الأسري، وعدم توحيد الإجراءات المتعلقة بطلب أو إصدار أو تنفيذ أوامر الحماية، والتحديات المرتبطة بمتابعة تنفيذها وقياس فعاليتها، بالإضافة إلى محدودية التنسيق المؤسسي أحياناً بين الجهات المعنية، مما قد يؤثر على فاعلية الاستجابة، وقد دعا المشاركون إلى ضرورة إصدار نظام قانوني شامل ينظم أوامر الحماية، بينما أشار آخرون إلى أن آليات إصدار هذه الأوامر قد انتقلت إلى مرحلة متقدمة من التطبيق مع الحاجة لتعديلات تشريعية غير عاجلة.

تطوير البيئة التشريعية من جهته، أكد أمين عام المجلس د. محمد مقدادي أن تطوير البيئة التشريعية يمثل مدخلاً لحماية الأفراد وصون حقوقهم، معرباً عن أمله في استكمال منظومة القانون عبر إقرار الأنظمة لضمان حسن تطبيقه، مشيراً إلى أن الخطة الاستراتيجية الوطنية للأعوام 2026–2030 تضمنت إعداد دليل إجرائي معتمد حول تطبيق وتنفيذ أوامر الحماية، يُوكل تنفيذه للمجلس القضائي لتوحيد الإجراءات وتسريع الاستجابة ورفع كفاءة منظومة الحماية الوطنية.

وشدد مقدادي على أن أوامر الحماية ليست مجرد إجراء قانوني، بل تمثل تدبيراً وقائياً يهدف لمنع العنف قبل وقوعه، كما أنها لا تستهدف تفكيك الأسر، بل تمثل إجراءً مؤقتاً لوقف العنف وإتاحة المجال لإعادة التوازن وتعزيز الاستقرار الأسري، استجابة وطنية متكاملة رئيسة الهيئة الإدارية بمركز العدل مها الخطيب، قالت إن العنف الأسري يمثل تحدياً تنموياً يتطلب استجابة وطنية متكاملة، مشددة على أن الأوامر تمثل أداة وقائية أساسية، غير أن فعاليتها مرتبطة بحسن تطبيقها وتنسيق الجهود بين الجهات المعنية.

كما عرضت الباحثة لبنى القدومي الملامح العامة لمسودة أولية لدليل تقييم مستويات الخطورة المرتبطة بأوامر الحماية، باعتبارها أداة وقائية تهدف لتقليل احتمالات تكرار العنف أو تفاقمه، على أن يعتمد الدليل بصيغته النهائية بعد التشاور مع الشركاء ضمن “جسور العدالة” لتعزيز مأسسة الأوامر ومعالجة التحديات التي تواجه الناجيات عند اللجوء إليها، وأوضحت المديرة التنفيذية لمركز العدل، هديل عبدالعزيز، أن قانون حماية الأسرة من العنف حصر إصدار أوامر الحماية في القضاء دون منحها لإدارة حماية الأسرة أو الحكام الإداريين، مبينة أن التحديات الأساسية بمأسسة الأوامر تكمن في أن التشريع لم ينظم الإجراءات التفصيلية كاملة.

وأشارت إلى أن دليل تقييم الخطورة يمثل أداة مساندة للقائمين على إعداد ملفات القضايا، برصد مصادر الخطر، سواء من داخل المنزل أو خارجه، وأن المحكمة تستطيع استناداً للتقرير الاجتماعي منع المعتدي من مضايقة الضحية أو التواصل معها، لكن القانون ما يزال يعاني من إشكاليات في التبليغ وضبط المخالفات، موضحة أن تفعيل الأوامر ما يزال حديثاً نسبياً، وأن القضاة بدأوا مؤخراً بإصدارها وتكليف إدارة حماية الأسرة بمتابعتها، مؤكدة الحاجة إلى تعديل تشريعي غير عاجل، من شأنه أن ينظم المدد ويعالج مسألة امتداد أوامر الحماية بعد انتهاء القضية، ويعيد النظر في اشتراط الشكوى، مع اقتراح التعامل مع أوامر الحماية كطلبات مستعجلة.

التنسيق مع الشركاء واستعرض العقيد موسى الحراحشة من إدارة حماية الأسرة آليات التعامل مع الحالات، بدءاً من الاستجابة الأولية وتقييم الاحتياجات، وصولاً إلى التنسيق مع الشركاء لنقل المتضررين إلى أماكن آمنة بموجب قرارات أوامر الحماية والموافقات المستنيرة، موضحاً أن التحدي الأكبر يتمثل في الفاصل الزمني بين إيداع القضية لدى القضاء وصدور أمر الحماية، والذي قد يمتد لأسبوع أو أكثر، مؤكداً أن أمر الحماية لا يصدر قانوناً دون شكوى، حتى في الحالات عالية الخطورة، حيث يتم اللجوء إلى بدائل حماية أخرى مثل الإحالة إلى دور الرعاية.

فيما اتجهت آراء مختصين إلى تأكيد دور الجهات المبلغة وقدرتها على تقييم عوامل الخطورة، والحاجة لوجود تشريع نظام واضح لتنظيم الأوامر، وإمكانية تقديم الضحية للشكوى، وأهمية تقرير الخدمة الاجتماعية كأساس لاتخاذ القاضي قراره، مشيرين إلى ضرورة التمييز بين الاستجابة الفورية للحماية وقرار الحماية القضائي، بالإضافة إلى أن تعزيز الأوامر يتطلب تطوير الأدوات المساندة وتكامل الأدوار بين الجهات المعنية، تمهيداً لمعالجات تشريعية لاحقة تستجيب للتحديات القائمة دون إبطاء الحماية أو تقييدها.

وبين عماد الصهيبة من وزارة التنمية الاجتماعية أن الوزارة تعمل عبر 19 مكتباً للخدمة الاجتماعية على تطوير آليات تدخل جديدة بالشراكة وفق التشريعات، بإعداد دليل للعاملين في مكاتب الخدمة الاجتماعية، وتدريب الكوادر على منهجية إدارة الحالة، موضحاً أن الاختصاصي الاجتماعي يدرس الحالة ويقيّم مصادر الخطورة وفق نماذج محددة، وبناءً على الموافقة المستنيرة للناجية، قد يجري تحويلها إلى دور الحماية والرعاية ضمن منظومة متكاملة، وقال حسين السالم من معهد حماية وصحة الأسرة إن الموافقة المستنيرة يجب أن تقوم على معرفة كاملة بالخدمة ومصلحة متلقيها، مشيراً إلى أن الضغوط الاجتماعية قد تدفع الضحية لتغيير أقوالها، وهو من أبرز التحديات في الميدان، مشدداً على أن تعزيز الأوامر لا يمكن فصله عن منظومة الحماية ككل لتحقيق المصلحة الفضلى للناجين، وتشمل أوامر الحماية في المادة 16 من قانون الحماية من العنف الأسري أبرزها إلزام المعتدي بعدم التعرض للمتضرر أو أي من أفراد الأسرة، وعدم الاقتراب من مكان إقامتهم، وحماية ممتلكاتهم الشخصية، كما يمكن للأمر تمكين المتضرر أو المفوض عنه من دخول البيت العائلي لاستلام ممتلكاته بحضور موظفي إدارة حماية الأسرة، بالإضافة لأي إجراء آخر تراه المحكمة ضرورياً لضمان حماية فاعلة لمن قد يتعرض للأذى نتيجة علاقته بالمتضرر.