عمان تشهد تحولات إقليمية معقدة، حيث تبرز اجتماعات العقبة واللقاءات الملكية في بريطانيا كجزء من استراتيجية أردنية شاملة تهدف إلى إدارة المخاطر قبل تفاقمها، إذ أصبحت اجتماعات العقبة منصة إقليمية لاحتواء التوتر، بينما تسعى اللقاءات في لندن إلى تعزيز شبكة الأمان السياسية والأمنية والاقتصادية في ظل تغييرات تعيد تشكيل خرائط الصراع والتحالفات في المنطقة.
وفقًا لآراء خبراء سياسيين واستراتيجيين، تعتبر هذه الاجتماعات أداة تنفيذية لخفض التصعيد في الساحة الفلسطينية، من خلال الربط بين الجوانب الأمنية والاقتصادية، مما يسهم في منع الإجراءات الأحادية التي قد تعيق فرص الحل السياسي، حيث تتبنى هذه الاجتماعات فلسفة واضحة تتمثل في أن غياب الأفق السياسي يزيد من منسوب العنف، وأن تدهور الأوضاع الاقتصادية يوسع دوائر الاحتقان، مما يستدعي التنسيق الأمني ودعم المؤسسات الفلسطينية وتحسين الظروف المعيشية كعناصر مترابطة لا يمكن فصلها، كما أن اللقاءات في لندن تمثل مظلة سياسية لتعزيز الشراكة مع قوى دولية مؤثرة.
في هذا السياق، يتحرك الأردن بهدف واضح يتمثل في الحفاظ على استقرار المنطقة ومنع انزلاقها إلى مواجهات مفتوحة، حيث تأتي اللقاءات الملكية في بريطانيا كجزء من حراك دبلوماسي أوسع، يعكس قراءة مبكرة لحجم المخاطر المتزايدة، إذ تشير التقديرات إلى تصعيد إسرائيلي متسارع في الضفة الغربية والقدس، يقابله توتر متزايد بين الولايات المتحدة وإيران، بالإضافة إلى هشاشة الوضع في الجنوب السوري.
تضع هذه المعطيات الأردن في قلب بيئة إقليمية عالية المخاطر، مما يستدعي توسيع شبكة تحالفاته مع قوى دولية مؤثرة، حيث تهدف اجتماعات العقبة، التي أطلقها جلالة الملك عبدالله الثاني في العام 2015، إلى تعزيز التنسيق والتعاون الأمني والعسكري وتبادل الخبرات والمعلومات بين مختلف الأطراف الإقليمية والدولية لمكافحة الإرهاب وفق نهج شامل.
وفي تحليل دقيق لهذا الحراك السياسي، أشار الخبير الأمني والاستراتيجي د. بشير الدعجة إلى أن اللقاء الذي جمع جلالة الملك برئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في لندن لا يمكن فصله عن السياق الإقليمي الضاغط أو عن إعادة التموضع الدولي الحالي، حيث تعيش المنطقة مرحلة سيولة استراتيجية غير مسبوقة في ظل تصعيد متزامن.
أوضح الدعجة أن الاحتلال الإسرائيلي يتجه نحو تصعيد في الضفة الغربية والقدس، وأن الجنوب السوري يتحول تدريجياً إلى منطقة تهديد منخفضة الحدة ولكن عالية الخطورة، كما أن التوتر بين الولايات المتحدة وإيران ينتقل من الرسائل غير المباشرة إلى احتكاكات ميدانية محسوبة، مما يجعل الدول التي تدرك حجم المخاطر تتحرك بفاعلية.
أضاف الدعجة أن بريطانيا بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي تسعى لإعادة صياغة دورها العالمي خارج الإطار الأوروبي، حيث تبحث عن شركاء مستقرين في مناطق النزاع، ويعتبر الأردن نقطة ارتكاز أمنية وسياسية في قلب المشرق العربي بسبب موقعه الجغرافي واستقراره المؤسسي مقارنة بالبيئة الإقليمية المضطربة، مما يمنح اللقاء دلالة استراتيجية تتجاوز البروتوكول السياسي.
في البعد الاقتصادي والاجتماعي، أشار الدعجة إلى أن الأردن يستضيف أكثر من 1.3 مليون لاجئ سوري، مما يشكل ضغطاً كبيراً على اقتصاده، حيث قدرت كلفة اللجوء منذ العام 2011 بعشرات المليارات من الدولارات، والمساعدات الدولية تغطي جزءاً محدوداً فقط من الفاتورة، محذراً من أن أي اختلال اقتصادي أو اجتماعي في دولة بهذا الحجم السكاني سيعني ضغطاً جديداً على أوروبا، حيث تدرك بريطانيا أن دعم استقرار الأردن أقل كلفة بكثير من إدارة تداعيات الفوضى.
على المستوى الأمني، شدد الدعجة على أن الأردن يعد شريكاً استخبارياً أساسياً للغرب في مكافحة الإرهاب، حيث لم يتوقف التعاون بين الأجهزة الأردنية والبريطانية حتى في أكثر المراحل الإقليمية تعقيداً، وفي زمن تتصاعد فيه التهديدات غير التقليدية، يصبح الحفاظ على شراكة مع دولة تمتلك بنية أمنية منضبطة أولوية استراتيجية.
أما على الصعيد السياسي، فقد لفت الدعجة إلى أن تسارع إجراءات الاحتلال في الضفة الغربية يضع المنطقة أمام مفترق خطر، مشيراً إلى التوسع الاستيطاني المتواصل والاقتحامات المتكررة للمسجد الأقصى، محذراً من أن هذه الوقائع إذا تحولت إلى واقع دائم ستقوض إمكانية تطبيق حل الدولتين وفق قرارات مجلس الأمن.
أهمية بريطانيا كعضو دائم في مجلس الأمن تعزز موقف الأردن، حيث إن دعمها يمنح عمان رافعة سياسية في مواجهة المسار الأحادي الذي يهدد الإطار القانوني الدولي، وفي حديثه عن أهمية الحراك الدبلوماسي الملكي، أكد الدعجة أن التحرك الأردني ليس رد فعل بل إدارة استباقية للمخاطر، حيث أن انهيار السلطة الفلسطينية أو ضعفها سيؤدي إلى فراغ أمني على تماس مباشر مع الأردن.
استشهد الدعجة بتجارب سابقة في المنطقة، حيث أدى تفكك مؤسسات الدولة في العراق بعد 2003 إلى صعود جماعات مسلحة، وفي سورية بعد 2011، أنتج الفراغ بيئة مثالية لتمدد تنظيمات متطرفة، بينما تسبب الانقسام المؤسسي في ليبيا بفوضى طويلة الأمد، مما يجعل الأردن غير قادر على تحمل تكرار هذا السيناريو على حدوده الغربية.
كما أشار إلى أن الجنوب السوري بات مسرحاً لشبكات تهريب المخدرات والسلاح، حيث تؤكد ضبطيات بملايين الحبوب المخدرة في الأعوام الأخيرة أن المسألة تتجاوز الجريمة المنظمة إلى بنية أمنية هشة تستثمرها أطراف مسلحة، وأي تصعيد مباشر أو غير مباشر بين إيران والولايات المتحدة قد يحول الساحة السورية إلى خط تماس مفتوح، مما يعني ضغطاً مباشراً على الأمن الأردني.
اجتماعات العقبة تمثل نموذجاً لإدارة المخاطر بأدوات سياسية وأمنية متزامنة، حيث تجمع أطرافاً معنية مباشرة بالأمن الفلسطيني والاحتلال، وتهدف إلى إجراءات عملية لتخفيف التصعيد ودعم الأجهزة الأمنية الفلسطينية وتحسين الوضع الاقتصادي، ومنع الإجراءات الأحادية، حيث أن الفلسفة التي تحكم هذه الاجتماعات واضحة، فحين يغيب الأفق السياسي يرتفع منسوب العنف، وحين يتدهور الاقتصاد تتسع دوائر الاحتقان.
التأكيد الأردني المتكرر على حل الدولتين ليس تكراراً خطابياً بل قراءة مصلحية صلبة، حيث أن البديل الواقعي هو إما دولة واحدة بصراع مفتوح طويل الأمد أو إدارة صراع بلا أفق، مما يجعل الأردن في قلب التداعيات بحكم الجغرافيا والوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس وتركيبة المجتمع.
الربط بين زيارة لندن واجتماعات العقبة واضح، حيث يسعى الأردن لتثبيت دعم دولي لنهج يقوم على منع الانهيار ودعم المؤسسات الفلسطينية، والضغط لوقف الإجراءات الأحادية في الضفة والقدس، وتحصين الجبهة الشمالية في مواجهة سيولة الجنوب السوري، وبناء شبكة أمان سياسية واقتصادية في ظل تصاعد التوتر الأميركي الإيراني.
نحن أمام مرحلة يعاد فيها تشكيل توازنات القوة في الإقليم، حيث يدفع الاحتلال باتجاه تغيير وقائع ميدانية في الضفة، وسورية لم تستعد عافيتها المؤسسية، وإيران والولايات المتحدة تديران صراعاً مفتوحاً على حافة الاشتباك المباشر، وفي مثل هذا المشهد لا تتحرك الدول بالعواطف بل بالحسابات.
الأردن يتحرك لتثبيت ثلاث ركائز حماية لاستقراره الداخلي اقتصادياً وأمنياً، ومنع أي مسار يؤدي إلى تهجير أو تغيير ديموغرافي في الضفة والقدس، وتوسيع شبكة تحالفاته مع قوى مؤثرة دولياً لضمان مظلة سياسية في مرحلة اضطراب، حيث تعتبر زيارة لندن حلقة في هذا المسار، واجتماعات العقبة أداة تنفيذية على الأرض، والهدف النهائي هو إبقاء المنطقة ضمن حدود يمكن السيطرة عليها قبل أن تنزلق إلى مواجهة مفتوحة لا يملك أحد رفاهية تحمل كلفتها.
في ظل تحولات إقليمية متسارعة، أكد الخبير العسكري والاستراتيجي د. نضال أبو زيد أن الزيارة الملكية إلى المملكة المتحدة جاءت في سياق إقليمي شديد الحساسية، حيث تزامنت مع تغيرات واضحة في خرائط الصراع والتحالفات، مما يجعل التحرك الدبلوماسي الأردني ضرورة استراتيجية.
أوضح أبو زيد أن التصعيد في المنطقة يرتبط بالاحتلال الإسرائيلي وبالتعامل الأميركي مع الجانب الإيراني، مما يعزز أهمية اللقاءات الدبلوماسية الأردنية، حيث انطلقت زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى بريطانيا بهدف فتح الأفق الدبلوماسي بين الطرفين، حيث تعزز العلاقات الشخصية التاريخية بين جلالة الملك وأركان الحكم في لندن من فرص البناء على هذا الإرث السياسي.
أضاف أن الجانب البريطاني ينظر باهتمام إلى القراءة الأردنية لما يجري في المنطقة، حيث يستفيد من الرؤية الأردنية رغم امتلاكه أدوات تحليل ورصد متقدمة، إذ إن بريطانيا دائماً ما تنظر للمنطقة بعيون أردنية، نتيجة للخطاب الأردني المعتدل والوسطية الدبلوماسية.
الزيارة الملكية لم تقتصر على بعدها السياسي بل شملت أبعاداً دبلوماسية واقتصادية وعسكرية، مما يعزز العلاقات بين البلدين، حيث تعتبر هذه الزيارة مقدمة لسلسلة تحركات أوسع، قد تتبعها لقاءات مع أركان الحكومة البريطانية والاتحاد الأوروبي.
بريطانيا تمتلك ثقلاً مؤثراً على الساحة الدولية، مما يمكن أن يشكل رافعة للموقف الأردني، خصوصاً في ما يتعلق بملف حل الدولتين، حيث يمثل دعمها للمواقف الأردنية أولوية في هذه المرحلة، كما أن الموقف البريطاني المعلن تجاه التطورات في الضفة يوفر أرضية يمكن البناء عليها.
الأردن يسعى لتوظيف هذا الثقل الدبلوماسي البريطاني في خدمة الاستقرار الإقليمي، حيث يريد الاستفادة من هذا الثقل لكبح جماح الاحتلال ومنع أي تغيير جغرافي أو ديموغرافي في الضفة، مما يعكس استراتيجية أردنية قائمة على تعظيم الشراكات الدولية لدعم التسويات السياسية وتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة.
اجتماعات العقبة تأتي في إطار عمل تراكمي طويل الأمد، حيث تمثل منصة عملية لتعزيز التنسيق الدولي في مواجهة التحديات المشتركة، حيث يسعى الأردن للحفاظ على استمرارية هذه التحالفات، مما يشكل مؤشراً مهماً للاستقرار الإقليمي والفهم المشترك بين الأردن ودول عديدة بشأن قضية الأمن والسلام والصراع الدولي.
في ضوء التطورات الخطرة التي شهدتها القضية الفلسطينية، تمثل المرحلة الحالية اختباراً حقيقياً لمصداقية القوى الدولية، حيث يسعى الأردن لإبقاء الدول الفاعلة منخرطة في الجهد السياسي والدبلوماسي، مما يعد مكسباً للأردن ومصلحة عليا في الوقت نفسه.
اللقاء الملكي في لندن واجتماعات العقبة يشكلان مسارين متكاملين في السياسة الأردنية، حيث يهدفان إلى توسيع دائرة الشراكات وتعزيز الحضور الدولي في ملفات المنطقة، والدفع نحو مقاربات سياسية وأمنية تسهم في حماية الاستقرار الإقليمي وترسيخ أسس السلام.

