عمان تشهد تحديثًا مهمًا في تعليمات حماية المصادر المائية لعام 2025، حيث أطلقت وزارة المياه والري النسخة المحدثة التي تهدف إلى تحسين إدارة المياه وضمان استدامتها للأجيال القادمة، مما يتطلب إرادة سياسية قوية وإجراءات تطبيقية فعالة للحد من الاستنزاف وحماية نوعية المياه المتاحة.
مع تراجع حصة الفرد السنوية من المياه إلى أقل من 61 م3، تبرز الحاجة الملحة لإجراءات عملية تضمن ديمومة المصادر المائية في المستقبل القريب.
التخطيط الشمولي لمناطق المياه
في هذا السياق، أطلقت الوزارة النسخة المحدَّثة من التعليمات، والتي تمثل إطارًا تنظيميًا دقيقًا يحدد المناطق والأنشطة المسموحة والمقيدة والممنوعة، مستندة إلى خرائط فنية ودراسات علمية حديثة، وتعتبر هذه التعليمات خطوة استراتيجية في إدارة الموارد المائية الشحيحة، خاصة المياه الجوفية التي تعرضت لاستنزاف كبير على مر السنوات، كما أنها تمثل المرجع الأساسي للوزارات والمؤسسات في إعداد المخططات الشمولية ومنح تراخيص المنشآت والمشاريع، بما يضمن عدم المساس بنوعية وجودة المصادر المائية وحمايتها للأجيال القادمة، لكن يبقى السؤال حول مدى تطبيق هذه التعليمات على أرض الواقع وقدرتها على الحد من الاستنزاف غير المشروع للمياه، حيث تواجه التحديات الكبيرة بدءًا من قلة الوعي الجماعي بأهمية الحفاظ على المياه واعتبار الاعتداء على مصادرها خطأ وطنيًا، وصولًا إلى انتشار الحفر غير القانوني للآبار واستغلال المياه بطرق غير شرعية في بعض المناطق، خاصة في مناطق تجمع المياه الهامة في شرق المملكة ووادي الأردن، وتعطي التعليمات الجديدة أهمية للتخطيط الشمولي لمناطق المياه وتجمعاتها، وتضع قيودًا واضحة على البناء واستعمال الأراضي قرب الأحواض المائية، مما يمنح فرصة لحماية هذه المصادر كمحميات طبيعية وعدم تحويلها إلى مناطق استغلال غير منظم، كما تشير إلى ضرورة المراقبة المستمرة وتقييم التغيرات في مستوى المياه، مما يتيح اتخاذ إجراءات لتعزيز الموارد في المناطق التي تقل فيها، وضمان المحافظة على الزيادة في المناطق الأخرى، ويبقى التطبيق الفعلي للتعليمات مرتبطًا بتكثيف الرقابة وتعزيز العقوبات القانونية على المخالفين، إضافة إلى برامج توعية مكثفة للمواطنين حول أن استنزاف المياه هو خطر على الوطن بأسره، ومع إطلاق هذه التعليمات، التي كان من المقرر أن تُعتمد كمرجع ملزم في التخطيط الشمولي ومنح التراخيص، يبرز التساؤل حول مدى قدرتها على إحداث تحول فعلي في الحد من استنزاف المياه الجوفية وحماية نوعيتها، خاصة مع تراجع حصة الفرد إلى أقل من 61 م3 سنويًا، وما أبرز التحديات التي قد تواجه تطبيقها على أرض الواقع.
اعتداء على الوطن
في هذا السياق، أكد الخبير الدولي في قطاع المياه د. دريد محاسنة، في تصريحات لـ”الغد”، الحاجة الماسة لاتخاذ إجراءات عملية وحقيقية لحماية المصادر المائية وضمان ديمومتها للأجيال القادمة، حيث أشار محاسنة إلى أن تراجع حصة الفرد إلى 61 م3 سنويًا، جعلت الحاجة ملحة لحماية المصادر المائية، منوهًا إلى أهمية القوانين والتعليمات والأنظمة، لكن التنفيذ هو ما ينقص، حيث لا يوجد وعي جماعي لدى بعض المواطنين بأن الاعتداء على مصادر المياه هو اعتداء على الوطن، كما أضاف محاسنة أن القوانين والتعليمات لم تكن كافية بمفردها، وأن التنفيذ الصارم كان شرطًا أساسيًا لنجاح أي تعليمات، مشيرًا إلى الاعتداءات الواقعية على المصادر المائية، حيث شهدنا اعتداءات في المنطقة الشرقية، سواء بزراعات مخالفة أو بحفر الآبار، أو باستغلال المياه المتجمعة في البرك بطرق غير شرعية، وزاد أن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر، مشددًا على ضرورة تقوية العقوبات القانونية ضد المعتدين على مصادر المياه واستخداماتها، حيث اعتبر ذلك خيانة وطنية ولا يمكن التعامل معها كمخالفة بسيطة، كما شدد على أهمية مراقبة المصادر المائية وتقييم مستوياتها بشكل دوري، مبينًا أهمية تحديد مواقع هذه المصادر ودراسة كيفية تقويتها، موضحًا أنه يجب أن يكون هناك مراقبة مستمرة على حجمها.
كما أشار محاسنة إلى أهمية التخطيط الشمولي لمناطق المياه باعتباره أحد أهم عناصر الحماية، مضيفًا أنه يجب مراعاة التخطيط الشمولي في مناطق المياه وتجمعاتها، حيث لا يمكن الاستمرار في منح رخص البناء وإقامة العمران على تجمعات المياه والآبار، وبين أن المناطق التي تحتوي على مياه يجب أن تُحافظ عليها كمحميات، يمنع الاقتراب منها واستغلالها، بما في ذلك منافذ المياه كالأودية التي كانت تجر المياه من مناطق أخرى، موضحًا أنه كان يجب مراعاة عدم البناء فيها وألا تُستخدم لأغراض أخرى، كما كان يجب زيادة مصادر المياه في وادي الأردن، لاستخدامات الشرب بدلاً من الزراعات غير المجدية.
حول تأثير تعليمات حماية المصادر المائية للعام 2025، قال محاسنة إن التعليمات كانت خطوة مهمة، لكنها لن تحقق النجاح الكامل ما لم تصاحبها رقابة مشددة وتطبيق صارم للعقوبات، إلى جانب زيادة الوعي الجماعي لدى المواطنين حول أن الاعتداء على مصادر المياه هو اعتداء على الوطن، وأكد محاسنة على أولوية المسؤولية الوطنية المشتركة لحماية المياه، حيث إن الحفاظ على المياه وديمومتها هي مسؤولية جماعية تتطلب جهدًا متواصلًا من مؤسسات الدولة والمجتمع المدني والمواطنين، وبدون هذا التعاون، لن تكون أي تعليمات أو قوانين كافية لضمان حماية الموارد المائية واستدامتها للأجيال القادمة.
وكانت الوزارة أطلقت مطلع العام الحالي النسخة المحدثة من تعليمات حماية المصادر المائية للعام 2025، في خطوة تهدف لتنظيم إدارة الموارد المائية وحماية نوعيتها.
إعادة التوازن للمصادر المائية
وأوضح أمين عام الوزارة د. جهاد المحاميد حينها، أن هذه التعليمات تشكل إطارًا تنظيميًا دقيقًا يحدد المناطق والأنشطة المسموحة والمقيدة والممنوعة، مستندة لخرائط فنية ودراسات علمية حديثة، وستكون مرجعًا أساسيًا للوزارات والمؤسسات كافة، في إعداد المخططات الشمولية ومنح تراخيص المشاريع، لضمان عدم المساس بالمصادر المائية، حيث حذر المحاميد من أن قطاع المياه في المملكة يواجه تحديات حرجة، بحيث تراجعت حصة الفرد السنوية إلى أقل من 61 م3، مؤكدًا أن تحديث التعليمات خطوة استراتيجية لإعادة التوازن للمصادر المائية، خاصة المياه الجوفية التي تعرضت لاستنزاف كبير خلال السنوات الماضية، لتأمين احتياجات الأجيال القادمة ومعالجة العجز المائي المتزايد.

