أكد خبراء اقتصاديون ومتخصصون في شؤون الضمان الاجتماعي أن استحداث منصب “محافظ” للمؤسسة العامة للضمان الاجتماعي يمثل تحولًا نوعيًا في مسار إصلاح الحوكمة وتعزيز استقلالية المؤسسة، حيث يعد هذا التوجه مدخلاً جوهريًا لمعالجة الاختلالات البنيوية التي رافقت إدارة الضمان خلال السنوات الماضية، يأتي ذلك في الوقت الذي أعلن فيه المجلس الاقتصادي والاجتماعي عن أبرز توصيات حوار وطني تم إنجازه حول ما يحتاجه قانون الضمان الاجتماعي من تعديلات بناءً على نتائج الدراسة الاكتوارية الحادية عشرة التي كشفت عن المركز المالي للمؤسسة ومدى استدامتها التأمينية، وقد تركزت التوصيات ضمن ثلاثة محاور: الحوكمة والاستدامة والحماية والعدالة الاجتماعية بوصفها منظومة متكاملة، حيث كانت من أبرز التوصيات المتعلقة بمحور الحوكمة والهيكل التنظيمي للمؤسسة فصل رئاسة مجلس إدارة المؤسسة عن أي منصب وزاري واستحداث نموذج قيادي متقدم يتمثل في تعيين “محافظ” للمؤسسة، وذلك على غرار محافظ البنك المركزي مما يحقق وحدة القيادة واستقرار القرار، كما تضمنت التوصيات إعادة النظر بمعايير اختيار ممثلي الضمان في مجالس إدارات الشركات التي تساهم فيها المؤسسة، وضرورة إعادة تنظيم مجلس التأمينات وتعزيز حوكمة مجلس إدارة صندوق استثمار أموال الضمان

قال الخبير الاقتصادي مفلح عقل إن تعيين محافظ للمؤسسة من شأنه أن يسهم بتحررها من التدخلات الحكومية المباشرة، ويمنحها استقلالية حقيقية بإدارة شؤونها التأمينية والاستثمارية، وأشار إلى أن إدارة الضمان عبر مجلس إدارة مستقل بعيدًا عن “التنفيعات” والاعتبارات غير المهنية، وقائم على الكفاءة والخبرة والقدرات المتخصصة في مجالات الاستثمار والإدارة والتأمينات يمثل خطوة إيجابية في الاتجاه الصحيح، مبينًا أن الحوكمة الرشيدة تخلق بيئة صحية لاتخاذ قرارات سليمة ومدروسة تصب بمصلحة المؤسسة وتعزز قدرتها على الاستدامة.

من جانبه، اعتبر الخبير في شؤون الضمان الاجتماعي موسى الصبيحي أن التوجه نحو تعيين محافظ مستقل للمؤسسة خطوة في الاتجاه الصحيح، مؤكدًا أنها كانت محل إجماع خلال جلسات الحوار الوطني، لافتًا إلى أن هذه الخطوة من شأنها تكريس استقلالية المؤسسة وتعزيز قدرتها على اتخاذ قراراتها بعيدًا عن التأثيرات التنفيذية المباشرة، ودعا لإقرار قانون جديد للضمان الاجتماعي بدلاً من الاكتفاء بتعديلات جزئية، بما يضمن معالجة شاملة وكاملة للمنظومة الإدارية والتنظيمية، ويؤسس لمرحلة إصلاحية متكاملة، وأوضح أن مجلس الإدارة الحالي يتكون من 15 عضوًا موزعين بالتساوي بين الحكومة والعمال وأصحاب العمل، وهو تمثيل متوازن يتماشى مع تجارب دولية عديدة تعتمد نهج التمثيل الثلاثي ذاته، وأشار إلى أن الإشكالية لا تكمن في التمثيل بحد ذاته، بل في غياب حوكمة واضحة نتيجة تقاطعات الصلاحيات وتنازعها ووجود خلل هيكلي يؤثر على آليات اتخاذ القرار، وبين أن المؤسسة تدار حاليًا عبر خمسة مراكز قيادية متداخلة تتمثل بوزير العمل الذي يرأس مجلس الإدارة في الوقت نفسه ومدير عام الضمان ورئيس مجلس استثمار أموال الضمان ورئيس صندوق استثمار أموال الضمان ورئيس مجلس التأمينات، مما يؤدي إلى ضبابية بالمسؤوليات وحدود الصلاحيات، ويجعل المساءلة غير واضحة.

وأكد أن من أبرز مخرجات الحوار الوطني فصل رئاسة مجلس الإدارة عن أي منصب وزاري واستحداث نموذج قيادي مستقل على شكل محافظ يتمتع بحصانة قانونية، إلى جانب تعيين ثلاثة مفوضين على غرار نموذج البنك المركزي، وتعيين رئيس متفرغ لمجلس استثمار أموال الضمان يكون عضوًا في مجلس إدارة المؤسسة، وأشار إلى أن المحافظ يعين لمدة محددة ينص عليها القانون بقرار من مجلس الوزراء مقرون بإرادة ملكية، ولا تنتهي خدماته إلا لأسباب محددة بدقة في القانون، بما يضمن استقلاليته وحصانته ويعزز استقرار القرار الإداري، معتبرًا أن هذه الخطوة إيجابية ليس فقط للمؤسسة بل حتى للجهات الرقابية، إذ تتيح وضوحًا أكبر في خطوط المسؤولية والمساءلة.

بدوره، رأى الاقتصادي ومدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية أحمد عوض أن نظام الحوكمة القائم حاليًا “غير سوي” ويشكل أحد الأسباب الرئيسية للمشكلات التي تواجه المؤسسة، لا سيما مع تحول تعيين القيادات إلى داخل المؤسسة وهيمنة وزير العمل على إدارة القرار، والذي أدى إلى تحول الضمان إلى مؤسسة حكومية أكثر من كونها مؤسسة مستقلة، وأكد أن إصلاح الضمان يبدأ من إصلاح حوكمة إدارته وإبعاده عن الهيمنة الحكومية المباشرة وتقليص سيطرة الحكومة على القرارات التأمينية والاستثمارية إلى الحد الأدنى الممكن، وشدد على أن تعيين محافظ خطوة في الاتجاه المطلوب لتحويل المؤسسة إلى كيان مستقل لا يتبع لأي وزير، إلا أنه أشار في الوقت ذاته إلى أن هذه الخطوة لا تمثل حلاً نهائيًا ما لم تترافق مع مراجعة شاملة للمنظومة الإدارية بكاملها وإعادة هيكلتها بما يضمن وضوح الصلاحيات وتعزيز الكفاءة وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة المؤسسية.

يشار هنا إلى أن المادة 8 من قانون الضمان الاجتماعي نصت على إنشاء المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي كشخصية اعتبارية مستقلة ماليًا وإداريًا، تتمتع بكامل الأهلية القانونية لممارسة أعمالها بما في ذلك إبرام العقود والتقاضي وتملك الأموال المنقولة وغير المنقولة واستثمارها وقبول الهبات والتبرعات والاقتراض، ويكون مركزها الرئيسي في عمّان مع إمكانية فتح فروع داخل المملكة وخارجها، كما نصت المادة على إنشاء صندوق مستقل يسمى “صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي” يتمتع باستقلال إداري، وتحدد آليات إدارته واستثمار أمواله بموجب نظام خاص، بما يعكس الفصل النسبي بين النشاط التأميني والنشاط الاستثماري، كما نظمت المادة 9 من القانون تشكيل مجلس إدارة المؤسسة، الذي يضم ممثلين عن الإدارة التنفيذية وصندوق الاستثمار والبنك المركزي والقوات المسلحة، إضافة إلى تمثيل ثلاثي متوازن للحكومة والعمال وأصحاب العمل مع مراعاة الخبرة والكفاءة في الأعضاء، وتحدد مدة العضوية بثلاث سنوات قابلة لمرة واحدة فقط مع وضع حالات واضحة لانتهاء العضوية مثل فقدان الصفة التمثيلية أو التغيب المتكرر أو صدور أحكام قضائية تمس النزاهة أو الذمة المالية، أما المادة 11 فقد نصت على مهام مجلس إدارة المؤسسة والتي حددتها بالإشراف الكامل على شؤونها وأعمالها، وتناط به جميع الصلاحيات اللازمة لضمان حسن إدارتها وتحقيق أهدافها التأمينية والاستثمارية، ويشمل ذلك إقرار السياسات العامة التأمينية للمؤسسة واعتماد السياسات الاستثمارية الهادفة لتعظيم القيمة السوقية للأصول ووضع الأهداف والمعايير والآليات والمحددات المنظمة للاستثمار، إضافة لمراقبة العملية الاستثمارية بكافة مراحلها لضمان تنمية المحفظة الاستثمارية والتحوط وإدارة المخاطر وتتبع الأداء بما يحقق مستهدفات السياسة الاستثمارية المعتمدة، إلى جانب إقرار الخطة العامة لاستثمار أموال المؤسسة، ويمتد دور المجلس إلى الجوانب التنظيمية والإدارية، إذ يتولى إقرار الهيكل التنظيمي وجدول تشكيلات الوظائف وتوصيفها وتحديد المهام والمسؤوليات، كما يقوم بتعيين خبراء تأمين وخبراء اكتواريين لفحص المركز المالي للمؤسسة وإعداد الدراسات اللازمة بشأنه، ويتحمل المجلس مسؤولية اعتماد الموازنة السنوية بمختلف أوجه الصرف وإقرار التقرير السنوي والبيانات المالية الختامية، إضافة إلى تعيين مدقق حسابات قانوني خارجي لتدقيق حسابات المؤسسة، كما يلتزم المجلس برفع تقارير ربع سنوية لمجلس الوزراء ومجلسي الأعيان والنواب تتضمن البيانات والحسابات المالية والنتائج الأساسية لأداء الاستثمارات ومدى تطابق أداء مديري المحافظ الاستثمارية مع الأهداف المحددة في الخطة العامة، وبيان سياسة الاستثمار للمرحلة المقبلة وتقرير المدقق الخارجي بشأن المركز المالي والتقارير الربعية الصادرة عن لجنة المراقبة ومجلس الاستثمار، إضافة لعرض السياسات الاستثمارية والمعايير والإجراءات المعتمدة وتحليل ومطابقة الموجودات والمطلوبات، وإقرار يؤكد التزام جميع الاستثمارات المنفذة بالقانون والأنظمة والتعليمات مع بيان أي خلل إن وجد، ويملك المجلس كذلك صلاحية إصدار التعليمات التنفيذية والتنظيمية الداخلية والمالية والإدارية والفنية والاستثمارية اللازمة لتحقيق أهداف المؤسسة، واقتراح مشروعات القوانين والأنظمة الخاصة بها وتفويض من ينوب عنه بالتوقيع في الأمور المالية والقضائية والإدارية وتشكيل لجان دائمة أو مؤقتة وتحديد مهامها وصلاحياتها وأتعابها، كما يتولى إقرار أسس ومعايير الحوكمة الرشيدة بما في ذلك سياسات منع تضارب المصالح وآليات الحد منه واعتماد دليل الاستثمارات وموجودات المؤسسة وتطويره كلما اقتضت الحاجة.