تتضمن الدراسات العلمية الرصينة التعريفات التي تنبثق من خصائص الأشياء وتستخدم كأساس لتطوير برامج التشخيص والتقييم والتدريب والتعلم، ومن هنا نبدأ بتعريف حاضنات الإبداع التي تمثل الجهة المسؤولة عن رعاية الإبداع وتوفير البيئة المحفزة لتطويره، كما يُعرف الإبداع بأنه القدرة على إنتاج شيء جديد وغير مسبوق ويكون له نفع للبشرية، وعند الحديث عن الإبداع نتناول المنتج الإبداعي بشكل خاص ونستعرض تعريف العملية الإبداعية وخصائص المبدعين، حيث يشير المنتج الإبداعي إلى الاختراع الذي يلبي احتياجات المجتمع ويُسهم في تحسين حياة الأفراد، فالإبداع ليس محصورًا في جانب معين بل يشمل جميع جوانب الحياة بما فيها العسكرية والاقتصادية والاجتماعية، وقد كانت الكتابة من أبرز الإبداعات التي أثرت في تاريخ البشرية، إذ ساهمت المنتجات الإبداعية في تقدم المجتمعات ورفاهيتها، وتمثل حلولًا جذرية لمشكلات المجتمع، مما يجعل المبدعين (المخترعين) من أهم فئات المجتمع لمساهمتهم في تلك الحلول، ويتبادر إلى الذهن كيف تأتي تلك الحلول وما خصائص الفئة التي تنتجها، فتشير الأبحاث إلى أن المبدعين هم الأفراد ذوو القدرات العقلية المتفوقة الذين يتميزون بالتفكير الإبداعي والابتكار في مختلف المجالات
كيف ينشأ الاختراع (المنتج الإبداعي)؟
ينظر الأفراد المتفوقون عقليًا إلى مشكلات المجتمع من منظور مختلف، مما يدفعهم للبحث عن حلول مناسبة لتلك المشكلات، حيث يسعون لتجريب الحلول واستبعاد غير المناسبة، وتستمر هذه العملية حتى لحظة الاستبصار التي تمثل الإلهام أو الإشراق، وهي اللحظة التي يظهر فيها الحل المفاجئ للمشكلة، ويبدأ الإبداع من مكونات البيئة بشكل ضعيف ومحدد الهدف، ويمكن تشبيهه بالجنين في رحم الأم، حيث يُولد الإبداع كهيكلٍ عظمي ضعيف، ثم تتولى حاضنات الإبداع رعايته وتطويره، ويعني التطوير هنا إضافة عناصر جديدة لتحسينه وزيادة استخداماته
يصعب تحديد الوقت الذي تصل فيه لحظة الاستبصار لدى الأفراد المتفوقين عقليًا، حيث تستمر مراحل العملية الإبداعية لسنوات وقد تختلف مدة كل مرحلة من شخص لآخر، وهذه المراحل تشمل التفكير الإبداعي الذي يحدث بشكل لا شعوري حتى تصل إلى مرحلة الولادة (الاستبصار) حيث يظهر الحل المفاجئ، وتنقسم هذه المراحل إلى:
مرحلة الإعداد التي تتضمن دراسة المشكلة وجمع البيانات، ومرحلة الكمون والاحتضان حيث تتخمر الأفكار، ومرحلة الإشراق التي تظهر فيها الأفكار الجديدة والمفرحة، وبعد ظهور هذا الإبداع يتم الاتفاق على مسمى له، حيث لا يوجد اسم للإبداع قبل وجوده، فكل اختراع يأتي بمسماه الخاص ولا يمكن أن يتكرر بعده، ومن خصائص الإبداع أنه جديد وغير مسبوق
تسعى بعض المؤسسات لاستقطاب أصحاب التفكير الإبداعي وتوفير البيئة المحفزة لهم ماديًا ومعنويًا حتى يظهر إبداعهم في الأسواق، ومن الأمثلة على ذلك تطوير الهاتف المحمول من قبل شركة (أبل) في أوائل الألفية، حيث قدمت الشركة الشاشة الرقمية القابلة للمس بعد أن أحدثت ثورة في عالم الهواتف المحمولة بهاتفها (آيفون)، ورغم أن الشركة لم تخترع الشاشات القابلة للمس، إلا أنها ابتكرت طريقة لدمجها في هواتفها الذكية، مما زاد من قيمتها السوقية ورفع سعر الجهاز إلى أضعاف ما كان عليه، وفي عام (2020م) تجاوز سعر سهم الشركة لفترة وجيزة (467.77 دولارًا) لتصبح أول شركة أمريكية تصل قيمتها السوقية إلى (2) تريليون دولار بفضل هذا الابتكار
يُعتبر الإبداع مقدمة للتطوير، حيث يحفز ظهور المنتج الإبداعي إلى تطويره، وكل تطوير يُطلق عليه ابتكار، ويتم ذلك من خلال إستراتيجية (سكامبر)
ما هي برامج حاضنات الإبداع (سكامبر)؟
تعتبر إستراتيجية (سكامبر SCAMPER) من أبرز برامج حاضنات الإبداع، حيث أثبتت فعاليتها في تطوير الإبداعات وتسويقها بطرق فعالة، وتشتمل إستراتيجية سكامبر على الحروف الأولى لكل كلمة تعبر عن طرق التفكير الإبداعي، وهي: الاستبدال (Substitute – S) والذي يعني استبدال جزء من المنتج أو العملية بآخر، الدمج (Combine – C) الذي يعني دمج فكرتين أو منتجين لإنتاج شيء جديد، التكييف (Adapt – A) الذي يتضمن تعديل المنتج ليتناسب مع غرض آخر، التعديل/ التكبير (Modify / Magnify- M) الذي يعني تغيير شكل أو حجم أو لون المنتج لتعزيز أدائه، الاستخدام لأغراض أخرى (Put to another use -P) الذي يتضمن البحث عن استخدامات جديدة للمنتج، الحذف (Eliminate – E) الذي يعني إزالة الأجزاء غير الضرورية لتبسيط المنتج، والعكس (Reverse /Rearrange-R) الذي يعني قلب المنتج أو تغيير ترتيب أجزائه
تؤدي إستراتيجية (سكامبر) إلى تعزيز الهدف الذي وُجد من أجله الاختراع، وتحقق أهدافًا أكثر بكثير من الهدف الرئيس، فعلى سبيل المثال، إن أول سيارة تم اختراعها كانت تسير بسرعة (18) كلم في الساعة، وكان الهدف من اختراعها هو اختصار المسافات، ثم بدأ التطوير بإضافات متعددة حتى أصبحت تستخدم في مجالات متنوعة مثل الإسعاف والشحن، وتعتبر حاضنات الإبداع الجهة المسؤولة عن رعاية الإبداع في بدايات إنتاجه وتوفير البيئة المحفزة لتطويره وتسويقه
ويقوم القطاع الخاص عادةً بهذه المهمة من خلال مؤسسات وشركات خاصة تتبنى المنتج الجديد وتعمل على تطويره باستخدام مهارات إستراتيجية (سكامبر) في منافسات كبيرة، حيث يمكن ملاحظة كيف تطور الهاتف الجوال والحاسوب والتلفاز وغيرها من الاختراعات، مما يعكس دور الإبداع والابتكار في تشكيل اقتصاد المعرفة والذكاء الاصطناعي، وهذا يتطلب من الحكومات الاهتمام بشريحة المتفوقين عقليًا وتوفير البيئة الحاضنة لهم لاستثمار قدراتهم قبل أن يفوت الأوان وتهاجر تلك العقول إلى دول أخرى توفر لهم ما يحتاجونه، مما يؤدي إلى فقدان إنتاجهم الذي لا يقدر بثمن
حاضنات الإبداع ودورها في تعزيز فرص التوظيف الفعالة

