في إطار النقاشات المستمرة حول مشروع القانون المعدل لقانون الضمان الاجتماعي لسنة 2026 الذي أقره مجلس الوزراء الأردني، تتجلى أهمية الإصلاحات المقترحة وتأثيراتها المحتملة على المشتركين في النظام وسوق العمل حيث تركز الخطط الرسمية على تعزيز الاستدامة المالية، إلا أن التحليل الدقيق يكشف عن أبعاد اجتماعية واقتصادية تتجاوز مجرد الأبعاد المالية
تتمثل إحدى أبرز الإشكاليات في رفع سن التقاعد تدريجياً ليصل إلى 65 عاماً للذكور و60 عاماً للإناث، ورغم أن التطبيق سيكون تدريجياً، فإن التأثير المتوقع على سوق العمل يثير تساؤلات، خصوصاً في ظل معدلات بطالة مرتفعة بين الشباب، إذ قد يؤدي تأخير خروج العاملين من سوق العمل إلى إبطاء حركة الإحلال الوظيفي وتقليص فرص التوظيف الجديدة، مما يعمق الاختلالات القائمة بدلاً من معالجتها، كما أن بعض المهن ذات الطابع الجسدي قد تواجه صعوبات في الاستمرار حتى أعمار متقدمة دون أن تتأثر الصحة أو الإنتاجية
بالإضافة إلى ذلك، فإن تشديد شروط التقاعد المبكر ورفع عدد الاشتراكات المطلوبة يشير إلى توجه نحو تقليص هذه النافذة التي كانت أداة مرنة لإدارة المخاطر الفردية، مما قد يؤدي إلى نقل العبء إلى منظومة الحماية الاجتماعية الأخرى، ما لم تتوافر بدائل اقتصادية حقيقية
فيما يتعلق برفع عدد الاشتراكات اللازمة لاستحقاق التقاعد الكامل من 180 إلى 240 اشتراكاً، فإن هذا يعني عملياً ضرورة وجود مدة خدمة أطول، وهو ما قد يؤثر بشكل خاص على العاملين في القطاعات غير المستقرة والعمالة الموسمية، كما أن النساء اللواتي قد تنقطع خدماتهن لأسباب اجتماعية أو أسرية قد يتأثرن بشكل أكبر، مما يثير تساؤلات حول مدى مراعاة المشروع لخصوصية سوق العمل الأردني وطبيعته غير المنتظمة في بعض قطاعاته
وعلى صعيد آخر، فإن رفع عدد الاشتراكات المطلوبة للتقاعد المبكر إلى 360 اشتراكاً قد يؤدي إلى تقليص المرونة التي كان يوفرها هذا الخيار للعاملين في سوق عمل غير مستقر، حيث إن العديد من العاملين، خاصة في القطاع الخاص، قد لا يتمكنون من الاستمرار حتى استكمال هذه المدة، مما يضعهم في موقف صعب بين البطالة وعدم استحقاق التقاعد، كما أن هذا التعديل قد يؤثر على العمالة الموسمية أو غير المنتظمة التي قد تواجه صعوبة في الوصول إلى العدد المطلوب من الاشتراكات
ولا يمكن تجاهل الأثر النفسي لهذه التعديلات، إذ إن أي تغيير يمسّ التقاعد قد يولد شعوراً بعدم اليقين لدى المشتركين، خصوصاً في ظل بيئة اقتصادية غير مستقرة، حيث تعتبر الثقة في النظام التأميني من العناصر الأساسية لنجاحه، وأي إصلاح لا يُصاحب بخطاب تواصلي واضح قد يؤدي إلى تآكل هذه الثقة
من جهة أخرى، فإن مشروع التعديل يستند إلى اعتبارات مالية واقعية، حيث تشير البيانات الصادرة عن المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي إلى أن التوسع في التقاعد المبكر قد شكل عبئاً طويل الأمد، مما يجعل رفع سن التقاعد وزيادة سنوات الاشتراك خطوة نحو تعزيز الاستدامة وتقليل الفجوة المستقبلية بين الإيرادات والمصروفات
كما أن رفع الحد الأدنى للرواتب التقاعدية إلى 200 دينار يعكس بعداً اجتماعياً مهماً، مما يعزز مظلة الحماية للفئات الأضعف، بالإضافة إلى تشديد العقوبات على التهرب التأميني الذي قد يسهم في توسيع قاعدة الاشتراك وتعزيز العدالة بين المنشآت
عالمياً، اتجهت العديد من أنظمة التقاعد إلى رفع سن التقاعد وإعادة هيكلة المنافع نتيجة التغيرات الديموغرافية، ومن هذا المنطلق يمكن النظر إلى التعديلات المقترحة كخطوة لمواءمة النظام الأردني مع الاتجاهات الدولية، لكن نجاح هذه المواءمة يعتمد على قدرة الاقتصاد على خلق فرص عمل حقيقية تستوعب الداخلين الجدد إلى سوق العمل
في النهاية، لا يدور النقاش حول ضرورة الإصلاح، بل حول كيفية توزيع كلفته ومن يتحمل عبئه الأكبر، فإذا اقتصر الإصلاح على تعديل المعايير الاكتوارية دون معالجة اختلالات سوق العمل، فقد يتحول إلى إعادة توزيع للمخاطر من الصندوق إلى الأفراد، أما إذا ترافق مع سياسات تشغيل فعالة وتعزيز للشفافية والثقة، فقد يشكل خطوة نحو استدامة حقيقية تحمي الصندوق وتحمي المواطن في آن واحد.