عمان – تظل فعالية الحملات التوعوية البيئية مرتبطة بقدرتها على إحداث تغييرات مستدامة في سلوك الأفراد، في ظل التحديات البيئية المتزايدة مثل تراجع الغطاء النباتي وزيادة النفايات والضغوط الناتجة عن التغير المناخي، وتعتبر هذه الحملات أداة حيوية تعتمد عليها وزارة البيئة لتعزيز ثقافة المسؤولية تجاه الموارد الطبيعية وحماية التنوع الحيوي، ومع ذلك يرى الخبراء أن هذه الحملات، رغم أهميتها، تحتاج إلى تطوير أدواتها وتوسيع نطاقها، بالإضافة إلى ضرورة إشراك المجتمعات المحلية بشكل أعمق لضمان تحويل الرسائل البيئية إلى ممارسات يومية فعالة تسهم في حماية الموارد الطبيعية وتحقيق أثر مستدام، حيث تؤكد وزارة البيئة أن التوعية تعد ركيزة أساسية في برامجها ومشاريعها، انطلاقاً من إيمانها بأن نجاح أي جهد بيئي يعتمد على وعي المجتمع وتفاعله.
زيادة الوعي بالتنوع الحيوي
يرى مدير التنوع الحيوي وبنك البذور الوطني د. خالد أبو ليلى أن الحملات التوعوية التي تنفذها الوزارة جيدة وتساعد على رفع وعي الناس بأهمية التنوع الحيوي، مشدداً على أن كمية الحملات ونوعها غير كافية، حيث يجب أن تستخدم وسائل معرفة متنوعة مثل القنوات التلفزيونية ووسائل التواصل الاجتماعي، كما يجب إشراك المجتمعات المحلية في حماية التنوع الحيوي والغطاء النباتي وإعادة تأهيله، مع ضرورة رفع قدراتهم، خاصة المجتمعات القريبة من الغابات والمناطق الرعوية، وتطرق إلى تجارب ناجحة نفذها المركز الوطني للبحوث الزراعية، حيث قدم تدريباً متخصصاً لبعض المجتمعات المحلية في البادية الأردنية لإعادة التأهيل بطرق تحافظ على الأنظمة البيئية.
أضاف أن التحديات المالية تقف عائقاً أمام رفع وعي الأفراد عبر الحملات، مما يتطلب تخصيص ميزانية خاصة لهذا الغرض، حيث يعد رفع وعي المجتمعات المحلية عاملاً مهماً في حماية التنوع الحيوي، خاصة في المناطق الرعوية التي تشكل أغلبية مساحة المملكة، مشدداً على أن أي مشروع لا يتعاون مع المجتمع المحلي لن يحقق النجاح المطلوب، لذا يجب أن تولي مشاريع الحماية البيئية أهمية للجانب الاقتصادي والاجتماعي، وتوظف كوادر مؤهلة للتعامل مع المجتمعات المحلية.
تعزيز السلوك المسؤول
تعتبر التوعية البيئية ركيزة أساسية ضمن جهود وزارة البيئة لحماية الموارد الطبيعية وتعزيز السلوك المسؤول لدى الأفراد والمنشآت، حيث تشكل محوراً أساسياً في جميع المشاريع البيئية والبرامج المنفذة، كما أشار وزير البيئة د. أيمن سليمان، حيث تأتي هذه الجهود انطلاقاً من قناعة بأن نجاح أي مشروع بيئي يعتمد بشكل مباشر على وعي المجتمع وتفاعله مع الرسائل البيئية، مما يعزز تحقيق أثر مستدام، وتنفذ الوزارة حملات توعوية وإعلامية وميدانية تتناول قضايا محورية مثل إدارة النفايات الصلبة والحد من الإلقاء العشوائي للنفايات والتغير المناخي والحفاظ على التنوع الحيوي والحد من التلوث وتعزيز الاقتصاد الدائري والممارسات المستدامة.
لفت سليمان إلى أن هناك حملة إعلامية توعوية واسعة تُنفذ حالياً كجزء أساسي من البرنامج التنفيذي للاستراتيجية الوطنية للنظافة، حيث تركز على تغيير السلوك المجتمعي وتعزيز ثقافة النظافة العامة والمسؤولية البيئية، وإبراز الآثار الصحية والاقتصادية والبيئية للسلوكيات السلبية، وقد انعكست هذه الحملات بشكل ملموس على زيادة الوعي البيئي لدى المواطنين وطلبة الجامعات والمدارس والشباب، مع زيادة المشاركة في حملات النظافة والمبادرات التطوعية، كما تحسن الالتزام النسبي بالاشتراطات البيئية لدى عدد من القطاعات الصناعية والخدمية، مع تنامي دور المجتمع المحلي في دعم المبادرات البيئية والتفاعل مع القضايا البيئية عبر وسائل الإعلام والمنصات الرقمية.
أشار الوزير إلى أن الوزارة تنفذ حملات نظافة ميدانية بالتعاون مع البلديات وأمانة عمّان الكبرى والمؤسسات الرسمية والمجتمعية، تستهدف المواقع الطبيعية والسياحية والمناطق الحضرية، وتُرفق هذه الحملات ببرامج تثقيفية لضمان استدامة أثرها، وعدم اقتصارها على الجانب الميداني فقط، بالتعاون أيضاً مع وزارة السياحة في المناطق السياحية والأثرية والطرق النافذة، ومع ذلك، رغم هذه الحملات، لا تزال هناك سلوكيات ومخالفات بيئية تتكرر، وقد أرجع سليمان أسبابها إلى أن تغيير السلوك البيئي يحتاج إلى وقت وجهد تراكميين، حيث أن بعض الممارسات السلبية متجذرة اجتماعياً، وتتطلب استمرار التوعية والتثقيف، كما أن تفاوت مستويات الوعي البيئي بين الفئات العمرية والاجتماعية والمناطق الجغرافية يشكل تحدياً إضافياً.
قد تؤثر تحديات خدمية أو اقتصادية أو نقص في البنية التحتية البيئية في بعض المناطق على مستوى الالتزام، فضلاً عن الحاجة لتعزيز المعرفة بالتشريعات البيئية وآليات تطبيقها، لذا تعمل الوزارة على الموازنة بين التوعية والتشريعات والرقابة البيئية وتحسين الخدمات البيئية لضمان تحقيق نتائج أكثر استدامة، وفي رده على سؤال يتعلق بتطوير أو تغيير نهج الحملات التوعوية، أكد أن العمل مستمر على تطوير الأدوات والنهج التوعوي بما يتواكب مع التطورات الإعلامية والتكنولوجية، حيث يجري العمل على التوسع في استخدام الإعلام الرقمي ومنصات التواصل وإنتاج محتوى توعوي تفاعلي يستهدف فئات محددة، خصوصاً الشباب، كما تعتمد الوزارة نهج الشراكة الوطنية الشاملة مع الجهات الرسمية والخاصة والمجتمع المدني، حيث تشكل وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة والمواقع الإخبارية ومنصات التواصل شريكاً أساسياً في نشر الثقافة البيئية وتسليط الضوء على القضايا في هذا القطاع.
إلى جانب تلك المؤسسات، بين سليمان أن القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني شريكان رئيسان أيضاً، حيث يسهمان بتنفيذ البرامج البيئية التوعوية ضمن برامج المسؤولية المجتمعية، وتقديم الدعم الفني واللوجستي والإعلامي للحملات، مشيراً إلى التحديات التي تواجه الحملات التوعوية، مثل اتساع الفئات المستهدفة وتنوعها ثقافياً واجتماعياً وجغرافياً، والحاجة لموارد مالية وبشرية مستدامة لضمان استمرارية الحملات، كما أن هناك ضرورة لتنسيق الجهود بين الجهات المختلفة لضمان تكامل الرسائل وعدم تكرارها، وقياس الأثر الفعلي للحملات على السلوك البيئي، حيث يتطلب تغيير السلوك وقتاً وتراكماً معرفياً وثقافياً، كما أشار سليمان إلى التحديات المرتبطة بالبنية التحتية والخدمات البيئية في بعض المناطق، مؤكداً أن الوزارة تستمر في تطوير آليات التقييم وقياس الأثر لضمان تحسين كفاءة البرامج التوعوية.
حول الخطط المستقبلية لرفع الوعي البيئي بشكل أكثر فاعلية، أوضح أن الوزارة تركز في المرحلة المقبلة على توسيع الحملات الإعلامية والميدانية المرتبطة بالبرنامج التنفيذي لاستراتيجية النظافة والحد من الإلقاء العشوائي للنفايات، كما ستعزز أيضاً البرامج التوعوية المتخصصة للقطاعات الصناعية والخدمية، وتكثيف التعاون مع المدارس والجامعات عبر برامج بيئية وأنشطة تطوعية ومسابقات ومبادرات ابتكار بيئي، وتمكين الشباب ليكونوا سفراء للبيئة في مجتمعاتهم، وفي هذا السياق، ستتوسع الوزارة في بناء الشراكات مع المؤسسات الدينية والإعلامية والقطاع الخاص والمجتمع المدني، وتطوير أدوات تواصل حديثة تعتمد على الإعلام الرقمي والمحتوى التفاعلي، وستسعى الوزارة لتعزيز ثقافة المسؤولية المجتمعية تجاه البيئة وربطها بالتنمية المستدامة وجودة الحياة، والاستمرار في تعزيز البنية التحتية البيئية في المناطق العامة والسياحية لضمان استدامة أثر الحملات والبرامج.
مخلفات ضخمة ومتنوعة
من وجهة نظر الخبيرة أمل مدانات، فإن ملف مخلفات أنشطة الإنسان المتعددة في الأردن يتسم بالضخامة والتنوع، حيث يتشكل من نفايات مواد صلبة وسائلة وخطرة وطبية وكيماوية وأجهزة وملابس وأنقاض ردم أبنية وغيرها، ومن المؤكد أن حملات التوعية المحلية من الجهات الرسمية في السنوات السابقة كانت لها آثار إيجابية في رفع الوعي وتغيير سلوكيات الأفراد، لكن أثرها يبقى ضمن نطاق ضيق نوعاً ما ولا تحقق التغيير المنشود، مشددة على أن حملات النظافة التوعوية الحالية تختلف لأنها جاءت كإجراء منبثق عن البرنامج التنفيذي للنظافة والحد من الإلقاء العشوائي للنفايات المنفذ على مستوى مناطق المملكة.
بناءً على توقعاتها، فإن تلك الحملات سيكون لها آثار إيجابية على صعيد رفع مستوى وعي الأفراد، مضيفة أن المتابع لشأن الوسائل المتبعة لحملات التنظيف التي كانت تنفذ في الأعوام السابقة يجد أنها لا تختلف كثيراً عن تلك المتبعة هذا العام، حيث أن النفايات الملقاة والتي تجمع لا قيمة لها، بمعنى أنها ترسب في نهاية الأمر إلى مطامر المخلفات ولا يعاد تدوير أي منها، ويتضح ذلك باستخدام القائمين على الحملة موارد جديدة تتمثل بشراء أكياس نفايات بلاستيكية سوداء ذات حجم كبير وقفازات بلاستيكية وسترات خاصة مطبوع عليها شعار الجهات، وهذا يقع ضمن باب الاستهلاك غير الضروري للموارد التي كان بالإمكان الاستعاضة عنها بما يتوفر لدينا من أكياس خيش أو إعادة استخدام للأكياس المتوافرة بالمنازل.
من المشاهد الأخرى التي أوردتها مدانات الاعتماد على توزيع المنشورات الورقية التوعوية وأكياس كرتونية صغيرة الحجم للطلبة على سائقي المركبات، ما سيزيد كميات النفايات، مبينة أنه كان بالإمكان الاعتماد على التوعية في وسائل الإعلام ومواقع التواصل والشاشات الإلكترونية في الشوارع العامة، ومن هنا، بحسبها، على الحكومات تغيير نهج وشكل الحملات بالتخطيط المسبق والمدروس لضمان وقف الاستهلاك والهدر للموارد، بالإضافة إلى وجوب أن كل مادة ترفع من الأماكن العامة يجب أن تكون موردًا ذا قيمة، ويجب ألا تنتهي في المكبات، بل أن تتشارك الجهات ذات العلاقة في العمل على إعادة تدويرها.
يترافق ذلك، وفق مدانات، بإلزام الشركات المنتجة للمواد بتحمل ما تسببه مخلفات ملوثة، وهو ما نص عليه القانون الإطاري للنفايات ضمن بند المسؤولية الممتدة للمنتج، كما أيدت قرار الوزارة بتفعيل وإنفاذ البند الوارد في القانون ذاته المتعلق بمخالفة كل من يلقي عشوائياً مخلفات، كونها تسهم بتغيير سلوكياتهم، ولا سيما في ظل استخدام عبارة “عيب” كشعار لحملاتها التوعوية، ولكن لا يمكن إغفال دور وزارة التربية والتعليم في تغيير سلوك الأجيال من خلال اعتماد تعليم بيئي مستدام لا يقتصر على حصص مدرسية نشاطية للتوعية البيئية.

