البحر الميت– تتزايد آثار التغير المناخي بسرعة، مما يجعلها واحدة من أبرز التحديات الوطنية التي تشمل أبعادًا بيئية واقتصادية واجتماعية متداخلة، حيث يفرض هذا الواقع إعادة التفكير في مفهوم التنمية ليشمل حماية البيئة وصون سبل العيش وتعزيز العدالة وضمان قدرة المجتمعات والبنية التحتية على الصمود تحت الضغوط المتزايدة التي تواجه المدن والقطاعات الإنتاجية والفئات الأكثر هشاشة، مما يتطلب مسارًا وطنيًا متكاملاً يعكس ضرورة ملحة وليس مجرد خيار، وهو ما تجلى في جلسات “حوارات العدالة” التي تناولت مفهوم الانتقال العادل كإطار يجمع بين العمل المناخي ورؤية التحديث الاقتصادي، وقد أكدت النقاشات على أهمية تناغم السياسات وتوحيد الرسائل بين القطاعات المختلفة كشرط أساسي لتحويل الخطط الوطنية إلى برامج قابلة للتنفيذ ذات أثر ملموس، حيث كانت القطاعات الحيوية محور هذه الحوارات التي نظمت بالتعاون بين المركز الإقليمي لعدالة الطاقة والمناخ في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ومنظمة العمل الدولية، وتم تسليط الضوء على تحديات الطاقة والصناعة والزراعة والسياحة من خلال دراسة معمقة للفجوات التشريعية والمؤسسية وضعف البنية التحتية ومحدودية الحوار الاجتماعي، ولم تقتصر مخرجات الجلسات على تشخيص الواقع بل امتدت لتقديم توصيات عملية تستهدف تعزيز الحوكمة وتطوير الأطر القانونية وبناء القدرات وترسيخ المشاركة المجتمعية، حيث تؤكد هذه الرؤية أن الانتقال العادل هو مسار تنموي شامل يقوم على الشراكة والمسؤولية المشتركة ويضع الإنسان وحقوقه في قلب التحول نحو مستقبل أكثر عدالة.
أهمية توحيد الرسائل
وشدد وزير البيئة د. أيمن سليمان خلال اختتام جلسات حوارات العدالة على أن رسائل كل قطاع تخرج بشكل غير متناغم، مما يؤثر على وضوح الرسائل المطلوبة، لذا فإن توحيدها وتناغمها يلعبان دورًا مهمًا في تنفيذ الخطط الوطنية والتفاعل معها بالشكل المطلوب، وأكد سليمان أن العمل المناخي لم يعد خيارًا بيئيًا فحسب، بل هو مسار وطني شامل يمس الاقتصاد والمجتمع وسبل المعيشة والعدالة بين الأجيال، مشيرًا إلى أن الحكومة أطلقت البرنامج التنفيذي الثاني لرؤية التحديث الاقتصادي الذي يركز على النمو الأخضر والنمو المستدام، ويتضمن مشروعين مهمين يتعلقان بالاقتصادين الأخضر والأزرق، مما يعكس ارتباط المفاهيم والاقتصادات بالخطط الوطنية وتأثيرها على المجتمعات المتأثرة، ولفت إلى أن السياسة الوطنية للتغير المناخي مرتبطة بإطار استراتيجي طويل الأمد يدمج بين التخفيف والتكيف، مؤكدًا على ضرورة تعزيز قدرة المدن على الصمود في مواجهة التغير المناخي، حيث أصبحت هذه التغيرات واقعًا يتطلب التفاعل معه، مشددًا على أهمية إعادة النظر في الخطط والبرامج المستقبلية لتحسين البنية التحتية مع ضمان توزيع عادل للأعباء والمنافع.
انتقال عادل
وبحسب مديرة برامج المركز الإقليمي لعدالة الطاقة والمناخ، م. دينا كسبي، فإن الانتقال العادل ليس مسارًا تقنيًا أو بيئيًا بحتًا، بل هو مسار اجتماعي وحقوقي واقتصادي يركز على الإنصاف والعمل اللائق والحماية الاجتماعية والمشاركة الحقيقية، وأشارت كسبي إلى أن سلسلة الحوارات تناولت مفهوم الانتقال العادل في قطاعات حيوية مثل الطاقة والزراعة والسياحة والصناعة، حيث أتيحت الفرصة لكافة الأطراف المعنية لتبادل وجهات النظر حول التحولات التي شهدتها هذه القطاعات خلال السنوات الماضية على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والتشريعية، موضحة أن هذه الجلسات أسهمت في تعميق الفهم المتبادل للاختلافات في الرؤى والمصالح، مما شكل أساسًا لمناقشة الأولويات والعمل المشترك نحو حلول متوازنة تحقق المنفعة العامة، كما توصلت الجلسات إلى أن مفهوم الانتقال العادل يجب أن يكون جزءًا من الممارسة الفعلية لتحقيق التحول السلس، مؤكدة على أن العدالة لا يمكن إحقاقها عبر إجراءات شكلية بل تحتاج إلى جهد تأسيسي.
ضعف بنية الصناعة
ويعاني قطاع الصناعة من ضعف في البنية التحتية الداعمة للممارسات المستدامة، بما في ذلك إدارة النفايات وإعادة التدوير واستخدام المياه والطاقة المتجددة، بالإضافة إلى الجدوى الاقتصادية لممارسات حصاد المياه، وفق تقييم خرج عن جلسات حوارية سابقة، ومن بين التحديات ضعف إعادة التدوير في المدن الصناعية بسبب التكلفة ونقص الخبرة وتعقيد الإجراءات المتعلقة بتبني ممارسات الاستدامة، كما أن تخطيط استخدامات الأراضي بشكل غير مستدام يؤدي إلى تلويث بيئي ونزاعات اجتماعية مع المجتمعات المحلية، وثمة تحديات أخرى تتعلق بالعمل والحوار الاجتماعي، مثل غياب تمثيل نقابي فعال وضعف آليات الحوار الاجتماعي بين الحكومة وأصحاب العمل، ومحدودية مشاركة العاملين في صنع القرار، بالإضافة إلى غياب الرقابة على الحد الأدنى لأجور المهندسين والعاملين في المنشآت الصناعية، مع ضعف تمثيل المجتمعات المحلية في دراسات الأثر البيئي والاجتماعي قبل إنشاء المنشآت، ما أدى إلى تفاوت في تطبيق التفتيش والرقابة.
توصيات
ومن أجل مواجهة تلك التحديات، وضع الخبراء توصيات تشمل ضرورة توضيح أدوار ومسؤوليات الجهات الحكومية المختلفة لتسهيل آليات التنفيذ، وتهيئة المنشآت الصناعية بالبنية التحتية والإرشادات والحوافز قبل تطبيق القوانين، مع بناء بنية تحتية تمكينية داعمة للاستدامة، كما يجب إنشاء منصة وطنية للاستدامة الصناعية تشمل قواعد بيانات وإحصاءات ومقدمي خدمات معتمدين، وحوافز وإعفاءات، والاستثمار في بنية تحتية مشتركة لإدارة النفايات وإعادة استخدام المياه وحلول الاقتصاد الدائري، وتوحيد بيانات تدفقات النفايات الصناعية، كما ركزت الحلول على حماية وتعزيز الميزة التنافسية للصناعة الأردنية من خلال تعرفة طاقة عادلة ومستقرة، تعزز المسؤولية الاجتماعية للشركات بشكل فعال وملزم، مع مراعاة اختلاف أحجام وقدرات المنشآت، لكن هناك فجوات تشريعية ومؤسسية تواجه القطاع، بما في ذلك الفجوة بين إصدار القوانين وآليات تنفيذها، بالإضافة إلى ضعف التنسيق بين الوزارات، مما يؤدي إلى غموض الإجراءات أمام المنشآت الصناعية، كما يعاني القطاع من ارتفاع تكاليف المياه ومدخلات الإنتاج الأخرى، خصوصًا مع تزايد وتذبذب تعرفة الكهرباء، ما يعيق التخطيط المالي وقياس استهلاك الطاقة والبصمة الكربونية، ويضاف إلى ذلك غياب بيانات شاملة وموثوقة حول المنشآت الصناعية والانبعاثات والنفايات واستهلاك الموارد، مما يصعب الالتزام بالأجندات العالمية للاستدامة.
مأسسة الحوار الاجتماعي
وقدم الخبراء توصيات للخروج من هذه المشكلات، منها مأسسة الحوار الاجتماعي ليشمل الصناعات والعاملين والمنشآت الصغيرة والمتوسطة والمجتمعات المحلية، وبناء قدرات النقابات المستقلة وتزويدها بالأدوات والخبرات اللازمة للدفاع عن حقوق العاملين، وشدد الخبراء على الالتزام بتصنيف استخدامات الأراضي عند إنشاء المناطق والمنشآت الصناعية، وإجراء دراسات معمقة للأثر البيئي والاجتماعي، وإشراك المجتمعات المتأثرة كشركاء في الانتقال والاقتصاد الدائري، وفي مجال الانتقال العادل في قطاع الطاقة، فإن التحديات الرئيسية تشمل عدم وضوح الإطار القانوني والمتغير باستمرار وضعف آليات الحوار المجتمعي، ووجود فجوات في المهارات والتعليم، كما أن المسؤولية المجتمعية للشركات غير ملزمة ولا تلبي احتياجات المجتمعات المحلية، مع ضعف آليات التمويل الأخضر واتساع فجوة التنمية الجغرافية، وغياب تقييمات شاملة للأثر البيئي للمشاريع، وقد وضع الخبراء توصيات لمواجهة التحديات، من أبرزها توسيع نطاق الحوار الاجتماعي ليشمل الحكومة وأصحاب العمل والعمال والمجتمع المدني، وضمان التمثيل الرسمي للنقابات العمالية خلال وضع السياسات وإجراء المفاوضات، كما دعا الخبراء إلى تعزيز الحوار بين المستثمرين والمجتمعات المحلية لبناء الثقة والمساءلة المشتركة.
تطبيق التمييز الإيجابي
وفي جانب تعزيز العدالة المكانية والتنموية والمجتمعية، أكد الخبراء أهمية الحد من التفاوتات الإقليمية وتطبيق التمييز الإيجابي في المناطق الأقل حظًا، وضمان التوزيع العادل للثروات المحلية عبر اتفاقيات التنمية المجتمعية التي يشترك في صياغتها المستثمرون والمجتمعات المحلية، كما حث الخبراء على تعزيز قدرة البلديات والمؤسسات المحلية على التفاوض وإدارة ومراقبة اتفاقيات التنمية المجتمعية، ودمج عناصرها في جميع مبادرات الاستثمار الرئيسية في قطاع الطاقة، ولا بد من تحديث الأطر التشريعية لتحديد صلاحيات جميع الجهات الفاعلة المعنية بالانتقال في مجال الطاقة بوضوح، ووضع سياسة وطنية للانتقال في مجال الطاقة المتجددة، حيث يكون الانتقال العادل جوهرها، مع أهمية دمج الأبعاد العمالية والاجتماعية للانتقال العادل في الاستراتيجيات الوطنية للتغير المناخي والطاقة، وإنشاء وتفعيل آلية تنسيق وطنية مثل اللجنة الوطنية للانتقال العادل، ودعم البلديات في تنفيذ خطط عملها المحلية المتعلقة بالتغير المناخي، ومن وجهة نظرهم يجب الاستثمار في البنية التحتية لتخزين الطاقة وزيادة سعة الشبكة وجاهزيتها لدمج مصادر الطاقة المتجددة.
ضعف تنافسية المنتج الأردني
أما في مجال الانتقال العادل في قطاع الزراعة، فقد خرج الخبراء بتقييم مخصص لهذا الجانب وضع عدة تحديات تواجهه، مثل ضعف تنافسية المنتج الأردني نتيجة ارتفاع كلف الإنتاج والعمالة، وضعف آليات التسعير والرقابة السعرية في السوق المحلي، كما يعاني القطاع من ضعف منظومة الحماية الاجتماعية للعمال، وانتشار العمل غير الرسمي وتدني الأجور، مع غياب العقود القانونية لحقوق العمال، وضعف ضبط آليات منح تصاريح العمل، وأشاروا إلى ظروف العمل غير الآمنة نتيجة غياب معايير الصحة والسلامة المهنية، خاصة للنساء والأطفال، بما في ذلك التعرض لمواد خطرة كالمبيدات، إضافة إلى مخاطر العنف في بيئات العمل غير المنظمة، كما يعاني القطاع من ضعف تمثيل المزارعين في عمليات صنع القرار، ومحدودية التنسيق بين مؤسسات المجتمع المدني المعنية، وعدم مواءمة المهارات وبرامج التدريب المهني مع احتياجات سوق العمل الزراعي، ويضاف إلى تلك التحديات غياب قاعدة بيانات وطنية شاملة لعمال الزراعة تشمل البيانات الإنتاجية والاقتصادية والبيئية والديمغرافية، وضعف التنسيق المؤسسي، مما يؤدي إلى عدم الكفاءة وتكرار الجهود، كما يعد محدود الوصول إلى التمويل بسبب متطلبات الضمان المرتفعة وعدم وضوح آليات صناديق المخاطر والطوارئ الزراعية، وضعف الرقابة في الأسواق المركزية وهيمنة المنتجين الكبار على الأسواق التصديرية من بين التحديات الأخرى.
توصيات
ولمواجهة هذه التحديات، طالب الخبراء بتعزيز التعاون بين المؤسسات المختلفة المعنية بالقطاع لتحسين السلامة العامة والتنسيق وكفاءة العمل، والعمل على إقامة المشاريع بناءً على البحوث القائمة والأدلة الفعلية بطريقة تشاركية وتكاملية لضمان الاستدامة، وشددوا على أهمية إعداد تقويم زراعي وطني من قبل وزارة الزراعة بالتنسيق مع المزارعين وممثل القطاع لمواءمة الإنتاج والأسواق وفرص التصدير بشكل أفضل، وضبط آليات التسعير بحيث لا يكون المزارع هو الحلقة الأضعف، ودعوا لإنشاء وتفعيل تحالفات منظمات مجتمع مدني متخصصة للدفاع عن حقوق العمال الزراعيين، وتفعيل وإصلاح اتحاد النقابات العمالية والزراعية من خلال أطر حوكمة واضحة وشفافة، وبتشاركية فعالة مع المزارعين وأصحاب المصلحة، بهدف حماية العمال وتعزيز الرقابة والتفتيش في أماكن العمل الزراعي، وتعد سلسلة “حوارات العدالة” مبادرة مشتركة بين المركز الإقليمي لعدالة الطاقة والمناخ في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ومنظمة العمل الدولية، تجمع هذه الجلسات النقاشية خبرات متنوعة وتهدف لمناقشة معنى الانتقال العادل للأردن والمنطقة، وصممت لتكون مساحة للحوار المفتوح، حيث تضع العمال والنساء والشباب والمجتمعات المحلية في صميمها، وتسعى نحو مستقبل أخضر عادل وشامل.

