ما تزال التعديلات المقترحة على مشروع القانون المعدل لقانون الضمان الاجتماعي لسنة 2026 محط نقاشات متزايدة في الأوساط الحقوقية والاجتماعية حيث تتناول لجنة العمل والتنمية الاجتماعية والسكّان النيابية المشروع حاليًا وتظهر المخاوف من تأثير بعض التعديلات على مستوى الحماية الاجتماعية، خاصة للنساء العاملات، حيث تحذر بعض الجهات من أن تشديد شروط الاستحقاق التقاعدي قد لا يتماشى مع واقع سوق العمل في البلاد ويعزز من التحديات التي تواجه النساء في الحصول على راتب تقاعدي منتظم في ظل مشاركة اقتصادية نسائية تعتبر من بين الأدنى عالميًا وتتميز بعدم الاستقرار والانقطاع بسبب مسؤوليات الرعاية الأسرية وضعف فرص العمل المستقر.

بينما تهدف التعديلات، وفق مبرراتها، لتعزيز الاستدامة المالية للنظام التأميني، يرى خبراء ومنظمات مجتمع مدني أن بعضها قد يؤدي عمليًا لتقليص فرص حصول النساء على راتب تقاعدي منتظم مما قد يضعف الحماية الاقتصادية لهن في سن الشيخوخة حيث يشير الخبراء إلى أن زيادة مدد الاشتراك المطلوبة للتقاعد وتشديد شروط الاستحقاق قد تدفع نسبة أكبر من النساء للخروج من النظام التأميني أو اللجوء لتعويض الدفعة الواحدة بدل الراتب التقاعدي مما يعكس الحاجة لتوسيع قاعدة المشتركين خاصة من النساء.

تشديد شروط التقاعد قد يضعف الحماية التأمينية للنساء

رئيس مركز بيت العمال للدراسات حمادة أبو نجمة أوضح أن تعزيز استدامة نظام الضمان يرتبط أساسًا بتوسيع قاعدة المشتركين عبر رفع معدلات المشاركة الاقتصادية للنساء في السوق والتي ما تزال من بين الأدنى عالميًا حيث تسهم زيادة مشاركة النساء في تحسين التوازن بين عدد المشتركين والمتقاعدين وتعزيز الإيرادات التأمينية للنظام مشيرًا إلى أن التعديلات المطروحة تتجه إلى مسار معاكس باعتماد إطالة سنوات الاشتراك وتشديد شروط الحصول على التقاعد المبكر بما يفترض مسارًا وظيفيًا مستقرًا ومتصلًا لسنوات طويلة.

كما أكد أن هذا الافتراض لا ينسجم مع واقع العديد من النساء العاملات في الأردن حيث تتعرض مساراتهن المهنية لانقطاعات متكررة بسبب مسؤوليات الرعاية الأسرية أو ضعف فرص العمل المستقر مبينًا أن تشديد شروط التقاعد قد يؤدي لتقليص عدد النساء القادرات على الوصول إلى راتب تقاعدي منتظم وزيادة من يضطررن للخروج من النظام التأميني بتعويض الدفعة الواحدة وهو خيار لا يوفر حماية اقتصادية طويلة الأمد في سن الشيخوخة داعيًا لإزالة العوائق أمام مشاركة النساء في السوق وتوفير بيئة عمل أكثر استقرارًا لهن.

تمكين: التعديلات قد تعمّق فجوة الحماية الاجتماعية للنساء

المديرة التنفيذية لمركز تمكين للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان، ليندا كلش، أكدت أن أي تعديل على قانون الضمان يجب أن يحقق توازنًا حقيقيًا بين الاستدامة المالية للنظام التأميني وكفاية الحماية الاجتماعية للمشتركين حيث يعتبر الضمان ركيزة أساسية لمنظومة الحماية الاجتماعية وليس مجرد أداة مالية ورأت كلش أن التعديلات المقترحة تتجه لتشديد شروط الاستحقاق وزيادة مدد الاشتراك دون أن يترافق ذلك مع سياسات تعالج الاختلالات الهيكلية في السوق مما قد يؤدي لتضييق نطاق الحماية الاجتماعية الفعلية خاصة لمن يعانون أصلًا من هشاشة في مساراتهم المهنية.

وأشارت إلى أن المسارات المهنية للنساء في الأردن تتسم غالبًا بعدم الاستقرار والانقطاع نتيجة مسؤوليات الرعاية الأسرية مثل رعاية الأطفال وكبار السن وانتشار العمل الجزئي أو غير المنظم ومظاهر التمييز في التوظيف والترقية داخل بعض القطاعات حيث تؤدي هذه العوامل لفجوات متكررة في الاشتراكات التأمينية مما يجعل الوصول لشروط التقاعد أكثر صعوبة للنساء مقارنة بالرجال خاصة مع التوجه لرفع الحد الأدنى للاشتراكات المطلوبة للتقاعد الوجوبي بما يعادل 20 سنة خدمة فعلية.

وبحسبها فإن تشديد شروط الاستحقاق قد يؤدي عمليًا لتقليص عدد النساء القادرات على الحصول على راتب تقاعدي منتظم ودفع نسبة أكبر منهن إلى اللجوء لتعويض الدفعة الواحدة بدل الراتب الشهري وهو خيار لا يوفر دخلًا مستدامًا في مرحلة الشيخوخة مما يفاقم مخاطر الفقر بين النساء في سن متقدمة مشيرة إلى أن أنظمة الحماية الاجتماعية التقليدية بُنيت على افتراض وجود مسار وظيفي طويل ومستقر وهذا لا ينطبق على واقع عمل النساء اللواتي ينتقلن بين فترات العمل المدفوع والانقطاع المرتبط بالرعاية الأسرية لذا فإن تجاهل هذه الخصوصية في تصميم التعديلات قد يؤدي عمليًا لتوسيع فجوة الحماية الاجتماعية بين النساء والرجال برغم حياد النص القانوني في ظاهره.

الصبيحي: فجوة واضحة بين اشتراك النساء وتقاعدهن

الخبير موسى الصبيحي أشار إلى أن أرقام الضمان تكشف عن فجوة واضحة بين مشاركة النساء في الاشتراك والتقاعد مما يطرح تساؤلات حول مستقبل الحماية الاجتماعية لهن في ظل التعديلات المقترحة حيث يبلغ عدد المؤمن عليهن الفعّالات حاليًا 478 ألفًا ما يمثل 29 % من إجمالي المشتركين الفعّالين في الضمان في المقابل لا تتجاوز نسبة المتقاعدات تراكميًا 18 % من إجمالي المتقاعدين إذ يبلغ عددهن قرابة 72 ألفًا.

ويرى الصبيحي أن هذه الأرقام تعكس فجوة جندرية قائمة في النظام التأميني برغم وجود بنود تمييز إيجابي في القانون النافذ تهدف لتسهيل شروط الاستحقاق لصالح النساء مما يطرح تساؤلًا حول ما إذا كانت التعديلات المقترحة التي تتجه لتشديد الشروط ستسهم في تعزيز مشاركة النساء في النظام التأميني أم ستؤدي لنتائج عكسية.

وحذر من أن هذه التعديلات قد تؤدي لتراجع مستوى الحماية الاجتماعية للنساء وإضعاف تمكينهن الاقتصادي كما قد تحد من إقبال ربات المنازل على الانتساب الاختياري للضمان إذا أصبحت شروط الاستحقاق أكثر صعوبة مشيرًا إلى أن هذه المخاوف تتقاطع مع أهداف السياسات الاقتصادية التي تسعى لرفع مشاركة النساء في السوق ومنها رؤية التحديث الاقتصادي وكذلك نتائج الدراسات الاكتوارية التي تؤكد أن زيادة مشاركة النساء عامل مهم بتعزيز استدامة النظام التأميني.