في إطار رؤية التحديث الاقتصادي لعام 2022 وما تبعها من مراجعة أولى، أظهرت دراسة جديدة أعدها المجلس الاقتصادي والاجتماعي حول “التحديث الاقتصادي للزراعة الأردنية” ملامح مستقبل الزراعة والأمن الغذائي في الأردن، حيث حددت الرؤية ثلاثة محاور رئيسة تشمل الأمن الغذائي والاستدامة وسلسلة قيمة الأغذية المتكاملة وتحديث الإنتاج الزراعي والمواشي، إلى جانب 15 مبادرة تنفيذية تهدف إلى تعزيز هذا القطاع الحيوي.
يعكس البحث الدور المتزايد للقطاع الخاص في دعم جهود وزارة الزراعة منذ إطلاق الخطة الوطنية للزراعة المستدامة واستراتيجية الأمن الغذائي، كما تم تأسيس المجلس الأعلى للأمن الغذائي كإطار مؤسسي يضمن توحيد الجهود وتحقيق نتائج ملموسة، ومع إطلاق المرحلة الثانية من رؤية التحديث الاقتصادي (2026–2029) استند البحث إلى إنجازات المرحلة الأولى (2023–2025) بهدف تحديث خريطة الطريق الزراعية بما يضمن البناء على ما تحقق ومعالجة التحديات المستجدة واستثمار الفرص الناشئة.
اعتمدت الدراسة على منهجية تحليلية لتقييم الاحتياجات والفرص ومجالات التحسين ونقاط القوة، مستندة إلى تتبع تاريخي للتحديات منذ ستينيات القرن الماضي وصولا إلى استشراف آفاق التطوير المستقبلية، حيث جمعت الدراسة بين بعدين متكاملين، الأول تاريخي تحليلي كشف عن فجوات بنيوية في الحوكمة والتنظيم والتمويل والتكنولوجيا وعدالة السوق، والثاني استشرافي تطبيقي استثمر فرص التحول الرقمي وإدخال التقنيات الذكية والطائرات المسيّرة وبناء الصناعات الغذائية وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص.
استندت الدراسة إلى مراجعة منهجية للتقارير الوطنية والدولية، إضافة إلى مقابلات وورش عمل تشاركية ومسح ميداني واسع شمل مختلف أطراف القطاع الزراعي.
أبرز التحديات
خلصت النتائج إلى أن أبرز التحديات تتمثل في استمرار النمط الإداري الظرفي وضعف تنظيم الإنتاج والتمويل والتكنولوجيا والعدالة السوقية، فيما تبرز فرص واعدة في مجالات الرقمنة والتصنيع الغذائي وتعزيز دور القطاع الخاص، ومن هنا أوصت الدراسة بجملة من التدخلات العملية لإصلاح الحوكمة وتطوير أدوات التمويل وتمكين الشباب والمرأة كركائز للنهوض بالقطاع.
توصيات
خلصت الدراسة إلى مجموعة توصيات في مجال الحوكمة والسياسات الزراعية العامة، مشددة على ضرورة إصلاح المنظومة التشريعية الزراعية وتحديث القوانين، إلى جانب إنشاء غرفة زراعة أردنية ذات طابع تمثيلي وتنظيمي موحد، وتفعيل آليات متابعة وتقييم قطاعية واضحة بما يضمن الانتقال من الاستجابات الظرفية إلى نهج مؤسسي متكامل.
كما أوصت بإنشاء نظام وطني لتخطيط الإنتاج الزراعي قائم على قاعدة بيانات متكاملة، وتحديث الأسواق المركزية عبر بورصة إلكترونية شفافة، وتوسيع التعاونيات الإنتاجية والتسويقية، إضافة إلى تعزيز الرقابة والتشريعات في قطاع التصنيع الغذائي لضمان الجودة وحماية الأمن الغذائي، وأوصت بتمكين الشباب والمرأة من خلال توفير أراضٍ مؤجرة وتمويل ميسر وتدريب تقني ودعم المشاريع النسائية وضمان حقوق الملكية ودمج الزراعة في التعليم الفني والجامعي عبر حاضنات تطبيقية.
ومن التوصيات أيضا ضرورة دعم التحول الرقمي عبر منصة وطنية رقمية وإنشاء صندوق وطني للتمويل الزراعي التحويلي تمهيدا لبنك زراعي خاص وإدخال أنظمة تأمين زراعي شامل لمواجهة آثار التغير المناخي والكوارث الطبيعية، علاوة على بناء مخزون غذائي إستراتيجي بالشراكة مع القطاع الخاص وتحسين سلاسل التبريد والتعبئة والنقل الزراعي، واقترحت تطوير بدائل مائية مستدامة واعتماد نهج متكامل لمعالجة تدهور الأراضي وإنشاء تعاونيات إنتاجية لتقليل آثار تفتيت الملكية الزراعية مع استكشاف فرص التكامل الإقليمي في مشاريع التشجير ومكافحة التصحر.
جاءت التوصيات في الدراسة مترابطة لتشكل رؤية إصلاحية شاملة للقطاع الزراعي الأردني، إذ أكدت ضرورة إنشاء غرفة زراعة فعالة تكون حلقة وصل بين الإنتاج واحتياجات الأسواق والتصنيع الغذائي ومدخلات الإنتاج بما يضمن تنظيم القطاع ضمن إطار وطني موحد.
وهذا التوجه ينسجم مع الإرادة السياسية المتنامية لتعزيز التنمية الزراعية بتوجيهات ملكية سامية ومع الاستفادة من التجارب الناجحة التي توفر دروسا عملية يمكن البناء عليها لتوسيع نطاق الزراعة المستدامة، كما شددت الدراسة على أن الدعم الحكومي كان وما يزال عنصرا محوريا في تعزيز صمود وتطور القطاع الزراعي داعية إلى تنظيم الإنتاج بالتكامل مع التكنولوجيا والربحية والاستجابة للأسواق وتوطين التكنولوجيا ضمن حوافز مشجعة لرفع الإنتاجية والتنافسية وخفض التكاليف.
وأوصت أيضا بضرورة إنشاء قطاع تأمين زراعي شامل بالتنسيق مع صندوق المخاطر إلى جانب تأسيس بنك زراعي خاص يعمل بالتكامل مع مؤسسة الإقراض الزراعي لتوفير تمويل عادل وميسر، ورأت الدراسة أن بناء الأدوار بين الغرفة الزراعية المقترحة والاتحاد العام للمزارعين ضمن إطار وطني موحد يشكل خطوة أساسية نحو مغادرة مرحلة “التحليق المنخفض” والانتقال إلى مستوى الرؤية التحولية الشاملة بحيث يصبح القطاع قادرا على استيعاب رؤية التحديث الاقتصادي والاستجابة لها بنفس الإيقاع المطلوب.
وفي هذا السياق شددت على أهمية تعظيم العائد الاقتصادي من كل متر مكعب من المياه عبر توجيهها نحو الزراعات الأكثر جدوى سواء من حيث القيمة السوقية أو التصنيع الغذائي بما يضمن الاستخدام الأمثل للموارد المحدودة ويعزز الأمن الغذائي الوطني، بهذا الطرح قدمت الدراسة تصورا متكاملا يربط بين الحوكمة والتمويل والتكنولوجيا والإدارة الرشيدة للموارد في سبيل نقل الزراعة الأردنية إلى مرحلة أكثر استدامة وكفاءة.

