في إطار التأكيد على أهمية تعزيز القيم الإنسانية والتطوعية لدى الأجيال القادمة، طرح جلالة الملك عبد الله الثاني تساؤلات حول كيفية تحويل هذه الرؤية إلى ممارسات تعليمية مستدامة داخل المدارس، مما يساهم في تشكيل هوية الطالب وسلوكه من خلال غرس هذه القيم في حياته اليومية، وقد أشار خبراء التربية إلى دور المدارس المحوري في تحقيق هذا الهدف من خلال التعليم القائم على القيم وتعزيز ثقافة العمل التطوعي وتقبل الآخر، داعين وزارة التربية والتعليم إلى التفكير في إعداد مناهج تعليمية تركز على القيم الإنسانية.
أوضح الخبراء أن غرس القيم الإنسانية في الأجيال الناشئة يتطلب رؤية تعليمية شاملة تتجاوز الطرح النظري، حيث يجب تجسيد هذه القيم في الممارسات اليومية داخل البيئة المدرسية، فالقيم مثل الاحترام والتسامح والتكافل لا يمكن أن تتحول إلى سلوك راسخ ما لم تُمارس في سياقات تعليمية حقيقية يعيشها الطلبة.
وأشاروا إلى أن المعلم يلعب دورًا محوريًا في غرس القيم، كونه النموذج الذي يحتذي به الطلبة، حيث يجب أن تكون هناك شراكة بين المدرسة والأسرة ومؤسسات المجتمع المدني لضمان استمرارية العملية التربوية وتحويل القيم الإنسانية إلى ممارسات حقيقية تشكل جزءًا من شخصية الطالب.
بناء شخصية الإنسان الواعي
في هذا السياق، أكد الخبير فيصل تايه على أهمية تعزيز منظومة القيم الإنسانية في العملية التربوية، مشيرًا إلى أن المدرسة لم تعد مجرد مؤسسة لنقل المعرفة، بل أصبحت فضاءً يسهم في بناء شخصية الإنسان الواعي والمسؤول، القادر على التفاعل الإيجابي مع محيطه الاجتماعي.
وأضاف تايه أن غرس القيم يتطلب بيئة تعليمية قائمة على الحوار والتعاون، حيث تعتبر المدرسة من أهم المؤسسات القادرة على تشكيل الوعي القيمي للطلبة، مشددًا على أهمية العمل التطوعي كأداة لترسيخ القيم الإنسانية، فهو تجربة تعليمية تعزز إحساس الطلبة بالمسؤولية والانتماء.
كما أشار إلى إمكانية توظيف العمل التطوعي ضمن استراتيجيات التعلم القائم على المشاريع المجتمعية، مما يسهم في تنمية التفكير النقدي والعمل الجماعي والقيادة.
رؤية إصلاحية نهضوية
بدوره، أكد الخبير محمد أبو عمارة أن لقاء جلالة الملك مع أصحاب المبادرات الإنسانية يعكس اهتمام جلالته بتربية الأجيال على روح المبادرة والعمل الإنساني، مشيرًا إلى أن هذا اللقاء يشكل رسالة واضحة لوضع تنمية القيم الإنسانية ضمن أولويات وزارة التربية والتعليم.
وأشار إلى أن التحديات الحالية، خاصة مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، تتطلب تعزيز دور التربية في حماية القيم، حيث أصبحت هذه الوسائل تؤثر على تشكيل القيم والسلوكيات، مما يستدعي وضع سياسة تربوية واضحة لتعزيز القيم الإنسانية ومواجهة التأثيرات السلبية.
وشدد على أن مستقبل الوطن يعتمد بشكل كبير على الطلبة، مما يستدعي إعدادهم وفق أسس سليمة وقيم راسخة، فالتربية تحتاج إلى وقت وجهد مستمر لتغيير أو ترسيخ أي قيمة.
المدرسة ميدان لاكتساب القيم
أكد الخبير عايش النوايسة أن المدارس تلعب دورًا محوريًا في تعزيز التعليم القائم على القيم، حيث يمكن للمدارس دمج القيم الإنسانية وثقافة العمل التطوعي في الممارسات التدريسية اليومية، مما يحول المفاهيم النظرية إلى ممارسات تعليمية حقيقية.
وأشار إلى أهمية الأنشطة اللامنهجية والبرامج الكشفية التي تعزز روح القيادة والعمل بروح الفريق، مما يسهم في بناء شخصية الطلبة وتعزيز ثقافة المبادرة والعمل التطوعي.
كما أكد على ضرورة استدامة المبادرات التربوية الهادفة لغرس القيم الإنسانية، بحيث تتحول الأنشطة المرتبطة بها إلى برامج مؤسسية مستمرة ضمن الخطة السنوية للمدرسة، مما يساعد على تخريج جيل منتمٍ لمجتمعه وقادر على الإسهام في تطويره والارتقاء به.

