عمان في إطار الجهود المبذولة لتعزيز السلوك البيئي المسؤول وحماية الصحة العامة والبيئة، أصدرت وزارة التربية والتعليم توجيهات للمدارس لتنفيذ حملات توعوية تستهدف الطلبة من خلال الإذاعة المدرسية ومنصات التواصل الاجتماعي، وذلك ضمن البرنامج التنفيذي لاستراتيجية النظافة والحد من الإلقاء العشوائي للنفايات للأعوام 2026–2029، التي أطلقتها الحكومة بهدف إحداث تغيير سلوكي مستدام على مستوى المجتمع.
في هذا السياق، أشار خبراء التربية إلى أهمية إشراك المدارس في هذه الجهود، حيث تتمتع المدرسة بقدرة فريدة على غرس القيم والسلوكيات الإيجابية في نفوس الطلبة منذ مراحل عمرية مبكرة، مؤكدين على ضرورة أن تتجاوز التوعية البيئية التوجيه النظري لتصبح ممارسات يومية في البيئة المدرسية، مما يسهم في بناء وعي حقيقي يمتد أثره إلى المنازل والمجتمع المحلي.
وأكد الخبراء في تصريحاتهم لـ”الغد” أن استخدام أدوات تواصل قريبة من الطلبة، مثل الإذاعة المدرسية والمنصات الرقمية، يعزز من فعالية الرسائل التوعوية، خصوصًا عندما تقترن بأنشطة تطبيقية وأساليب تعليم تفاعلية تحفّز مشاركة الطلبة وتفاعلهم، مشددين على أن نجاح هذه الحملات يعتمد على تكامل أدوار المعلم والإدارة المدرسية والأسرة في تحويل ثقافة النظافة من مبادرات مؤقتة إلى سلوك دائم ومتجذر.
كما أوضحوا أن المدرسة قادرة على أن تكون شريكًا فاعلًا في تنفيذ استراتيجية النظافة الوطنية، ومركزًا للتغيير الإيجابي في المجتمع، مما يجعل كل طالب سفيرًا لهذه القيم في أسرته ومحيطه، مما يعزز الثقافة البيئية العامة ويُوسّع الأثر التربوي المستدام.
بناء جيل واع ومسؤول.
في هذا الإطار، قال الخبير فيصل تايه إن المدرسة تمثل ركيزة أساسية في بناء جيل واعٍ ومسؤول، وقادرة على أن تكون شريكًا فاعلًا في تحويل أهداف البرنامج التنفيذي لاستراتيجية النظافة إلى واقع عملي ملموس.
وأشار تايه إلى أن البرنامج التنفيذي الذي أطلقته الحكومة مؤخرًا، والذي يركز على الحد من الإلقاء العشوائي للنفايات وتعزيز الثقافة البيئية في المجتمع، يجعل من إشراك المدارس خطوة استراتيجية ذات أثر مستدام، باعتبار أن الطلبة يشكلون النواة الحقيقية لتغيير السلوكيات البيئية في الأسرة والمجتمع.
ولفت إلى أن ترسيخ مفهوم النظافة عند الطلبة منذ المراحل الدراسية المبكرة ينقلهم من إطار التعليم النظري إلى ممارسة يومية وسلوك مستدام، مشيرًا إلى أن قدرة المدرسة على المشاركة الفاعلة تتجلى عبر مستويات متكاملة، تبدأ بتوفير بيئة مدرسية نموذجية تشمل صناديق نفايات مصنفة حسب النوع وتنظيم حملات تنظيف أسبوعية للفناء والمرافق المشتركة.
وأضاف أن دمج مفاهيم التوعية البيئية في المناهج الدراسية، سواء عبر مواد العلوم أو اللغة العربية أو الأنشطة الإبداعية، يعزز الفهم النقدي عند الطلبة ويعمق وعيهم بالعلاقة المباشرة بين النظافة والصحة وجودة الحياة، مؤكدًا على أهمية إنشاء نوادٍ بيئية ودعم المبادرات الطلابية، لما لذلك من دور في إشراك الطلبة في صياغة وتنفيذ الحلول وتحويلهم من متلقين للمعلومة إلى شركاء نشطين في تحقيق أهداف الاستراتيجية الوطنية.
كما أوضح تايه أن التوعية البيئية يجب أن تتوسع لتشمل أساليب تربوية مبتكرة كالمسابقات البيئية والعروض المسرحية القصيرة وتصميم الملصقات والمشاريع العلمية التطبيقية التي تربط بين النظرية والممارسة.
وأكد أن هذه الممارسات التفاعلية ترتقي بالسلوكيات الإيجابية وتحد من ظاهرة الإلقاء العشوائي للنفايات، مشيرًا إلى دراسات صادرة عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة التي أظهرت تحسنًا ملموسًا في السلوكيات البيئية لدى الطلاب في المدارس التي تدمج التوعية البيئية ضمن أنشطتها اليومية.
وبين أن نجاح هذه الحملات يعتمد على تكامل أدوار المعلم والإدارة المدرسية والأسرة في تحويل ثقافة النظافة من مبادرات مؤقتة إلى سلوك دائم ومتجذر، مشددًا على أهمية توظيف الإعلام المدرسي ووسائل التواصل في نشر الرسائل البيئية، وتحفيز المشاركة الجماعية، مما يعزز دور المدرسة كنقطة إشعاع بيئي.
تنمية السلوكيات الإيجابية.
بدورها، قالت الخبيرة حنان العمري إن المدرسة هي المؤسسة الأكثر تأثيرًا في بناء الإنسان وتنشئته، وركيزة أي مشروع إصلاح تربوي، حيث تتحول فيها السياسات والرؤى الوطنية إلى ممارسات واقعية تنعكس على المتعلم والمجتمع.
وأكدت العمري أن دور المدرسة لا يقتصر على نقل المعرفة الأكاديمية، بل يمتد إلى غرس القيم وتشكيل الاتجاهات وتنمية السلوكيات الإيجابية، وفي مقدمتها قيم النظافة والوعي البيئي، بوصفهما عنصرين أساسيين في إعداد مواطن واعٍ ومسؤول وقادر على التفاعل الإيجابي مع تحديات العصر.
وأوضحت أن النظافة والوعي البيئي يمثلان قيمًا تربوية ذات أثر مباشر على الصحة العامة وجودة الحياة وحماية البيئة، مشيرة إلى أن النظافة ليست إجراءً شكليًا أو سلوكًا عابرًا، بل قيمة أخلاقية وسلوك حضاري يعكس احترام الذات والآخرين والمكان.
وأضافت العمري أن تبني استراتيجية مدرسية للنظافة ينطلق من رؤية تربوية شاملة تجعل هذه القيم جزءًا أصيلًا من الثقافة المدرسية والأهداف التعليمية طويلة المدى، بما يضمن انتقالها من التعليمات المؤقتة إلى ممارسات يومية راسخة.
وبينت أن إدماج مفاهيم النظافة والوعي البيئي في المناهج يمثل ركيزة لنجاح هذه الاستراتيجية، عبر دمجها بصورة تكاملية في المواد الدراسية، حيث ترتبط في العلوم بالصحة العامة والوقاية من الأمراض والتلوث وإدارة النفايات والحفاظ على الموارد، وفي الدراسات الاجتماعية والتربية الوطنية تُقدَّم بوصفها سلوكًا مدنيًا يعكس المواطنة الصالحة والانتماء والمسؤولية.
وأشارت العمري إلى أن تنفيذ هذه الاستراتيجية يعتمد على أساليب تدريس حديثة قائمة على التعلم النشط، كالتعلم بالمشروعات والتعلم التعاوني ودراسة المشكلات، مما يتيح للطلبة فرصًا عملية لتطبيق المفاهيم البيئية وتصميم مبادرات توعوية والمشاركة في الحلول لإدارة النفايات وتحسين البيئة المدرسية.
كما شددت على أهمية الأنشطة المدرسية، بوصفها مجالًا لترجمة المفاهيم النظرية إلى سلوكيات عملية، عبر برامج النظافة المستمرة وفرز النفايات وإعادة التدوير والتشجير والفعاليات الثقافية والإعلامية الإبداعية.
التأثير في سلوك الطلبة.
من جهته، قال الخبير عايش النوايسة إن بناء الإنسان للحياة يُعد الهدف الجوهري للتربية، وتندرج في إطاره أهداف أخرى، بما يمكّنه من توظيف طاقاته وتحقيق طموحاته وخدمة مجتمعه، مشيرًا إلى أن المدرسة اليوم باتت شريكًا أساسيًا ومحوريًا في تنفيذ التوجهات الوطنية والمجتمعية، لا سيما في ظل التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية المتسارعة.
وأوضح النوايسة أن البرنامج التنفيذي لاستراتيجية النظافة التي أطلقتها الحكومة مؤخرًا يمثل أحد النماذج التي يمكن للمدرسة أن تلعب فيها دورًا فاعلًا، نظرًا لما تمتلكه من تأثير مباشر في سلوك الطلبة والمجتمع المحيط، مؤكدًا أنها قادرة على تحويل هذه الاستراتيجية من إطار نظري إلى ممارسة يومية مستدامة.
ورأى أن إشراك المدارس في هذه الجهود خطوة أساسية، نظرًا لما تتمتع به المدرسة من قدرة على غرس القيم والسلوكيات الإيجابية في نفوس الطلبة منذ مراحل عمرية مبكرة، مشددًا على أن التوعية البيئية لا ينبغي أن تقتصر على التوجيه النظري، بل يجب أن تتحول إلى ممارسات يومية داخل البيئة المدرسية، مما يسهم في بناء وعي حقيقي يمتد أثره إلى المنازل والمجتمع المحلي.
وبيّن أن تفعيل اللجان الصحية والبيئية المدرسية يمثل مدخلًا عمليًا لتنفيذ الاستراتيجية، شريطة أن يتجاوز دورها المتابعة الشكلية إلى التخطيط والمراقبة والتنسيق المباشر مع الجهات ذات العلاقة، مشيرًا إلى أهمية تحويل المدرسة إلى نموذج تطبيقي حي عبر حملات التشجير في الحرم المدرسي وتركيب حاويات مخصصة لفرز النفايات.
وشدد النوايسة على ضرورة بناء شراكات حقيقية مع المجتمع المحلي، بالتعاون مع المجالس المحلية وأولياء الأمور لتنظيم حملات تنظيف للأحياء المحيطة بالمدارس، مما يعزز مفهوم أن المدرسة جزء فاعل من نسيج المجتمع وليست مؤسسة معزولة عنه.
كما أكد أن دمج التوعية البيئية في الممارسات اليومية داخل المدرسة يسهم بشكل حاسم في ترسيخ ثقافة النظافة والحد من الإلقاء العشوائي للنفايات، مشيرًا إلى أن تحويل النظافة إلى سلوك يومي روتيني، مثل تنظيف الغرفة الصفية قبل المغادرة، يجعلها عادة راسخة تمتد آثارها إلى خارج أسوار المدرسة.
وأضاف أن إشراك الطلبة في إدارة النفايات وفرزها يعزز لديهم الشعور بالمسؤولية والانتماء، مؤكدًا أن دور المعلم والإدارة في تقديم القدوة العملية يُعد عنصرًا أساسيًا في نجاح أي جهد توعوي، إذ إن التعلم بالمثال أكثر تأثيرًا من التوجيه النظري.
وأشار إلى أهمية توظيف الإذاعة المدرسية ووسائل التواصل الاجتماعي في تعزيز السلوك البيئي الإيجابي، من خلال فقرات توعوية منتظمة، وربط قضايا النظافة بالقيم الدينية والمجتمعية، إلى جانب إطلاق مبادرات تفاعلية وتحديات تحفيزية وتكريم الطلبة الملتزمين.
وأكد أن نجاح استراتيجية النظافة الوطنية لا يعتمد على القرارات الحكومية وحدها، بل على قدرتها على النفاذ إلى السلوك اليومي للأفراد.

