عمان– في ظل التحديات العالمية التي تواجه التنمية والضغوط المالية، يعيد تقرير القطاع العام العالمي للعام 2025 تشكيل مفهوم دور مؤسسات الرقابة العليا لتصبح فاعلاً رئيسياً في قيادة التحول التنموي بدلاً من كونها مجرد حارس للامتثال، حيث ينظر التقرير إلى الرقابة كأداة استباقية تسهم في صناعة السياسات المستندة إلى الأدلة وتعزيز أثر الإنفاق العام، وفي هذا الإطار تبرز تجربة ديوان المحاسبة كنموذج وطني يعكس هذا التحول، إذ انتقلت الرقابة من مجرد رصد المخالفات إلى إنتاج معرفة تحليلية تسهم في تحسين كفاءة السياسات وتعزيز القيمة مقابل المال وتوسيع المشاركة المجتمعية في المساءلة، مما يضع الرقابة في قلب مشروع التنمية المستدامة 2030 بدلاً من أن تكون على هامشه، وتستفيد هذه المؤسسات من استقلاليتها ومنهجياتها المبنية على الأدلة لتقديم رؤى تحليلية تساهم في تحسين فعالية السياسات العامة وتسريع تحقيق أهداف التنمية المستدامة.
سد فجوات معرفية
تسهم أجهزة الرقابة العليا من خلال عمليات التدقيق المتخصصة، مثل تدقيق الأداء وتدقيق الجاهزية، في سد فجوات معرفية غالباً ما تعجز الحكومات عن رصدها ذاتياً، سواء ما يتعلق بترابط السياسات أو كفاءة الإنفاق أو جاهزية الأطر المؤسسية والتنظيمية، ومنذ اعتماد أجندة 2030، شهدت قدرات أجهزة الرقابة العليا تطوراً نوعياً مدعوماً بجهود المنظمة الدولية للأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة ومبادراتها لبناء القدرات وتبادل المعرفة، مما أدى إلى اتساع نطاق عمليات التدقيق المرتبطة بأهداف التنمية المستدامة وزيادة مساهمة هذه الأجهزة في المتابعة والمراجعة الوطنية، بل وتجاوزت الحدود الوطنية عبر عمليات تدقيق منسقة إقليمياً ودولياً، مما أوجد صوراً شاملة لتقدم الدول في قضايا محورية مثل المناخ والإنصاف والاستدامة المالية، ويعكس هذا التحول إدراكاً متنامياً بأن الرقابة الفعالة على سياسات التنمية لا تتحقق بالاكتفاء بالامتثال للنصوص القانونية بل عبر تقييم الأثر الحقيقي للسياسات والبرامج على حياة المواطنين ومدى مساهمتها في تحقيق أهداف التنمية المستدامة الوطنية، كما يبرز أهمية دور وحدات الرقابة الداخلية بوصفها خط الدفاع الوقائي والاستباقي القادر على رفع التوصيات إلى أعلى مستويات صنع القرار بعيداً عن منطق تصيد الأخطاء أو العقوبات.
شراكة في التنمية
في إطار التحول الذي رصده تقرير القطاع العام العالمي 2025 في دور مؤسسات الرقابة العليا من مراقب للامتثال إلى شريك في تحقيق التنمية، أكد وزير تطوير القطاع العام السابق د. خير أبو صعيليك أن الأجهزة الرقابية في الأردن بدأت تسير خلال السنوات الأخيرة بخطوات عملية نحو الشراكة الاستراتيجية في التنمية بدلاً من الاكتفاء بالدور التقليدي للمراقب المالي، مشيداً بالتغير النوعي الذي رافق تقارير ديوان المحاسبة وما حملته من مضامين جديدة، حيث انعكس هذا التحول بشكل مباشر على توسيع دائرة المشاركة الوطنية والمجتمعية في مراقبة الامتثال والمساءلة، وساهم في تحسين كفاءة الإنفاق العام، موضحاً أن الرقابة لم تعد محصورة في تسجيل المخالفات بل أصبحت أداة لتحسين الأداء العام ودعم القرار المبني على الأدلة، وأشار إلى أن الرقابة النوعية تعتمد على إنتاج معلومات وتوصيات مبنية على الأدلة ووفق منهجيات علمية واضحة، مشيراً إلى أن القيمة الحقيقية لهذا النهج تمثلت بقدرة هذه التوصيات على الوصول لمستويات صنع القرار العليا داخل المؤسسات العامة، حيث شكلت وحدات الرقابة الداخلية المصدر الرئيس للرقابة الوقائية والاستباقية داخل الجهاز الحكومي، مؤكداً أن دورها لا يقوم على تصيد الأخطاء أو إدارة الحملات العقابية بل على منع الخلل قبل وقوعه وتحسين مسارات العمل المؤسسي، كما أكد أن التأثير الرقابي الحقيقي على سياسات التنمية اقتضى عدم التمترس حول الرقابة على الامتثال للقوانين والتعليمات والأنظمة فقط بل الانتقال إلى مفهوم أوسع يركز على تعظيم مساهمة الإنفاق العام في زيادة تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وأوضح أن مؤشرات المالية العامة بما فيها تدني الإيرادات المحلية وارتفاع عجز الموازنة، دلت على أهمية تبني مبدأ القيمة مقابل المال، مما فرض على الحكومات البحث عن أعلى مردود ممكن لكل دينار يتم إنفاقه، وأشار إلى أن خوارزميات تعظيم القيمة لم تتوقف عند حدود الإنفاق بل امتدت لمراقبة تقدم سير العمل في تطوير القطاعات الحيوية، مثل الأمن الغذائي والطاقة النظيفة، بما ينسجم مع محركات رؤية التحديث الاقتصادي وخطة التنمية المستدامة 2030، وشدد على أهمية وجود مشاركة فاعلة من الخبراء وممثلي المجتمع المدني في عمليات التشاور المرتبطة بتطوير العمل الرقابي، حيث حسنت هذه المشاركة العمليات الرقابية نفسها ورفعت من جودة تقارير الإفصاح والشفافية، مما يعزز الثقة بمختلف مؤسسات الدولة، كما بين أن أشكال التشاركية لم تقتصر على الإطار المؤسسي بل امتدت للمشاركة الشعبية عبر المنصات التي أتاحت للمواطنين تقييم جودة الخدمات الحكومية، مؤكداً أن المواطن شكل الحكم الحقيقي على نجاعتها وجودتها، حيث أن أهمية هذا التقييم جاءت من كونه أداة تغذية راجعة للتحسين ورفع سوية الخدمات وليس مجرد مؤشر لقياس الرضا، مما يجعل إشراك المواطن في التقييم عنصراً محورياً في تطوير الأداء العام.
وعودة لتفاصيل تقرير القطاع العام العالمي للعام 2025، ركز التقرير على الدور المحوري الذي اضطلعت به أجهزة الرقابة العليا في دعم تنفيذ خطة التنمية المستدامة للعام 2030 وتعزيز المساءلة الوطنية، حيث أبرز التقرير كيف تمكنت هذه المؤسسات من إنتاج رؤى وتوصيات مبنية على الأدلة لمساعدة الحكومات على تسريع تحقيق أهداف التنمية المستدامة وتسهيل مشاركة الجمهور في متابعة التنفيذ، كما سلط التقرير الضوء على دور أجهزة الرقابة العليا بتقديم معلومات أساسية عن فعالية السياسات والبرامج المرتبطة بأهداف التنمية المستدامة، والتي غالباً لم تكن متاحة للحكومات لولا جهود التدقيق المتخصصة، وأوضحت النتائج أن صياغة هذه المعلومات بطريقة يسهل الوصول إليها وتنفيذها ساعدت على تعزيز قدرة المواطنين وأصحاب المصلحة على ممارسة الرقابة والمساءلة على الأداء الحكومي، ومنذ اعتماد خطة التنمية المستدامة للعام 2030، سعت المنظمة الدولية للأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة وأعضاؤها إلى تركيز جهود التدقيق على أهداف التنمية المستدامة مع تطوير أدوات ومنهجيات مبتكرة ساعدت على توحيد الرؤى وتحليل الأداء على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية، وأظهرت بيانات العام 2023 أن 43 % من أجهزة الرقابة العليا نفذت عمليات تدقيق للأداء تتعلق بتنفيذ أهداف التنمية المستدامة بينما أجرت 22 % تدقيقاً لإثراء التقارير الوطنية، كما أظهرت عمليات التدقيق قدرة أجهزة الرقابة على تحديد المعوقات المؤسسية التي أعاقت التنفيذ الفعال لأهداف التنمية المستدامة، مما دفع العديد من الحكومات إلى تعديل سياساتها وترتيباتها المؤسسية، وطورت الأجهزة أدوات مثل ClimateScanner لتعزيز التدقيق في مجالات العمل المناخي والإنصاف والشمول، مما ساعد على دمج مبدأ عدم ترك أحد خلف الركب ضمن أولويات الرقابة، كما عزز هذا النهج مشاركة المجتمع المدني والمؤسسات الأكاديمية والجهات الحكومية في مراقبة تنفيذ أهداف التنمية المستدامة، وقدم التقرير مجموعة من التوصيات الاستراتيجية للحكومات وأجهزة الرقابة والمجتمع الدولي، حيث أوصى التقرير الحكومات بضمان استقلالية أجهزة الرقابة وقدرتها على تدقيق القضايا المعقدة والمتشابكة المرتبطة بأهداف التنمية المستدامة، داعياً لدمج نتائج التدقيق في تصميم السياسات والميزانيات والقوانين لتعزيز الإنصاف والشمول والعمل المناخي والإدارة الرشيدة، وشدد على أهمية إشراك أجهزة الرقابة رسمياً في عمليات المراجعة الوطنية الطوعية لتعزيز المساءلة وتوفير قاعدة بيانات قوية للتقييم، وبالنسبة لأجهزة الرقابة العليا، أوصى التقرير بتوسيع نطاق التدقيق ليشمل جميع مجالات أهداف التنمية المستدامة مع التركيز على الربط بين السياسات وتقييم الترابطات والتآزر بين البرامج، كما شجع على تعزيز المنهجيات المبتكرة لتوسيع نطاق التدقيق وتحسين جودته مع دمج مبدأ العدالة والمساواة بشكل منهجي، وحث التقرير على تعزيز التعاون الدولي وتبادل المعرفة عبر التدقيق المنسق والمبادرات الإقليمية والعالمية، كما نادى التقرير المجتمع الدولي والأمم المتحدة للاستفادة من نتائج خبراء التدقيق لدعم صنع القرار على الصعيد الوطني والدولي، خاصة في مجالات المالية العامة والدين العام والعمل المناخي واستدامة التنمية، وشدد على دعم أجهزة الرقابة في الدول النامية بما في ذلك الجزرية الصغيرة وأقل البلدان نمواً من خلال برامج بناء القدرات المصممة خصيصاً لتعزيز مساهمتها في تنفيذ أهداف التنمية المستدامة، وأشار التقرير إلى أن أجهزة الرقابة العليا أصبحت عنصراً أساسياً في تحقيق أهداف التنمية المستدامة 2030 عبر إنتاج معلومات دقيقة وقابلة للتنفيذ وتفعيل دور المساءلة والمشاركة المجتمعية، كما أكد أن استخدام هذه البيانات على نحو أمثل وتوسيع نطاق التعاون الدولي ظل من أبرز التحديات، مما استلزم استمرارية الاستثمار في القدرات والمؤسساتية والابتكار في أدوات التدقيق وتعزيز مشاركة المجتمع الدولي.

