تعد معركة الكرامة حدثًا محوريًا في التاريخ الأردني الحديث، حيث تجسد الإرادة الوطنية والنهوض والتخلص من العجز، مما ترك أثرًا عميقًا في الذاكرة الجمعية للأردنيين، وأصبحت رمزًا لفخرهم واعتزازهم بموروثهم الثقافي، إذ تعكس قدرة الدولة على توحيد جبهتها الداخلية رغم شح الموارد، وتعبر عن كفاءة القوات المسلحة في إعادة تنظيم صفوفها بعد الكبوات والنكسات التي مرت بها المنطقة، مما أثر بشكل مباشر على المزاج الأردني والعربي في تلك الفترة.
عمل الجيش العربي الأردني بعد حرب حزيران عام 1967 على إعادة تنظيم قواته المنسحبة من الضفة الغربية، حيث سعى إلى رفع معنويات الجنود وتعزيز الجبهة الداخلية، وأدار معركة استنزاف على طول واجهته الغربية، وقدمت هذه المعركة مجموعة من الشهداء، كان من أبرزهم قائد كتيبة الحسين الثانية الرائد “مازن كريشان” الذي استشهد مع ستة من زملائه في 15 شباط 1968، وهو اليوم الذي أقره جلالة الملك “عبدالله الثاني” ليكون يومًا للوفاء للمتقاعدين العسكريين والمحاربين القدامى.
ردت القوات الإسرائيلية على حرب الاستنزاف في 21 آذار 1968 بهجوم بري وجوي على الحدود الغربية للأردن، حيث استهدفت العمليات العسكرية فرض واقع جديد على الأرض الأردنية، وتمثلت الخطة في تدمير وحدات الجيش الأردني في الأغوار والتقدم نحو جبال البلقاء، التي تمثل مركز الثقل الاستراتيجي للعاصمة عمان.
استطاعت الاستخبارات الأردنية رصد تحضيرات العدو وتحديد ساعة الصفر للعدوان، مما مكن القيادة العامة للقوات المسلحة من تجنب المفاجأة، وبدأت في دفع وحداتها إلى الأمام، حيث شكلت مجموعات قتال صغيرة قادرة على الاختفاء في الأودية والمزارع لمباغتة طلائع العدو، وزودت هذه المجموعات بمدافع مضادة للدبابات محمولة على الكتف، مما أتاح للجندي الأردني مواجهة الدبابات الإسرائيلية الحديثة، كما تم الدفع بضباط رصد المدفعية إلى الأمام لتوجيه نيران المدفعيات نحو الطلائع المتقدمة.
سطر الجيش العربي ملحمة بطولية في معركة الكرامة، حيث أظهر الجندي الأردني شجاعة وصمودًا في مواجهة عدو متفوق في العدة والعدد، وأكد أن النصر يتطلب تضحيات، حيث ارتقى ثمانية وثمانون شهيدًا من القوات المسلحة في هذه المعركة، مما يعكس أن قوة الجيوش لا تقاس فقط بالعتاد، بل أيضًا باستعداد الجنود لتقديم النفس رخيصة في سبيل الوطن، وهذه هي صفات نشامى الجيش العربي الذين قادهم الملك “الحسين بن طلال” إلى النصر، فاستحقوا أن يكونوا من نتاج مصنع الحسين.
استحقت معركة الكرامة أن تكون جزءًا أساسيًا من السردية الأردنية، حيث قدمت الجيش كمؤسسة محترفة قادرة على ترجمة القرار السياسي إلى واقع ملموس، رغم التحديات والتضحيات، وبجاهزية قتالية عالية، وكان من أبرز ما في السردية الوطنية حول المعركة هو التمسك بنهج الكرامة، الذي وصفه الحسين حين قال “في فجر ذلك اليوم، مشى الصلف والغرور في ألويةٍ من الحديد، ومواكب من النار… وكانت الأسود تربض في الجنبات، على أكتاف السفوح وفوق القمم، بيدها القليل من السلاح والكثير من العزم، وفي قلوبها العميق من الإيمان بالله والوطن… وتفجر زئير الأسود في وجه المد الأسود.. الله أكبر”.
تعمق موروث معركة الكرامة في السردية الأردنية، حيث تجاوز روايات الجيش وما يكتب في الكتب، ليعكس على الموروث الثقافي الشعبي، فأصبحت مقولة “الموت ولا الدنية” حاضرة في الأهازيج والقصائد، مما يرفع الهمم ويرفض الخضوع، وغدت تضحيات شهداء الكرامة قصصًا بطولية تتردد بين الأجيال، حيث يتم تناقل أسماء الشهداء مثل “خضر شكري يعقوب” في الشوارع والمنشآت وقلوب الأردنيين، وأصبحت معركة الكرامة قدوة على أن الإرادة الصادقة تصنع تاريخًا وسردية خالدة للأجيال القادمة.
ستبقى معركة الكرامة جزءًا من سردية الأردنيين، حيث تمثل أكثر من مجرد تاريخ عسكري، بل هي لحظة وعي تاريخي تستعيد الماضي لبناء مستقبل قوي قائم على الشرعية والحكمة والتضحية، وقوامها وحدة الصف الأردني، وحكمة القيادة الهاشمية، وصلابة الجيش العربي، وتمثل لحظة شفاء نفسي، حيث يتجدد الاعتبار والثقة بنشامى الجيش العربي الذين تخلصوا من وصمة العار، ونفضوا غبار الهزيمة، ليكون نصر الكرامة بعد الانكسار ثمرة للشجاعة والثبات، الذي تحقق بإيمان النشامى بالله وبقدسية أرضهم وبعقيدة الجيش الأردني.. الله، الوطن، الملك.
*مـدير الإعلام العسكري.

