تسعى المؤسسات الأكاديمية في مختلف المجالات إلى تحقيق بيئة تربوية نموذجية ومستدامة من خلال استغلال كافة الإمكانيات المتاحة لتعزيز هذا الواقع، حيث تظل قيمها وأهدافها النبيلة محور اهتمامها، وأحد أبرز هذه الأهداف هو تطوير شخصية المتعلم بشكل متكامل معرفيًا ومهاريًا وعاطفيًا، بالإضافة إلى إعداد مواطن صالح يساهم في تنمية مجتمعه
يواجه المجال التربوي، مثل العديد من المجالات الأخرى، تحديات متعددة يسعى لتجاوزها بأقل الخسائر الممكنة، ومن بين هذه التحديات تبرز ظاهرة الغش في الاختبارات التي تؤرق القائمين على العملية التعليمية نظرًا لتأثيرها العميق على العملية التربوية والمجتمع بشكل عام، وكذلك على سمعة التعليم
تأخذ ظاهرة الغش في الاختبارات أشكالًا متعددة تشمل سرقة جهود الآخرين سواء بالتراضي أو بطرق أخرى، بالإضافة إلى الأساليب الفردية والجماعية، واستخدام الأدوات التكنولوجية الحديثة
تشير الدراسات إلى أن أكثر الفئات الطلابية ميلًا للغش هم الطلبة الأكثر ذكاءً، حيث يمتلكون أساليب مبتكرة للغش قد لا تخطر على بال المراقبين، ويميلون لتجنب الفشل أكثر من حرصهم على النجاح، بينما يعتمد الطلبة المتفوقون أكاديميًا على قدراتهم الذاتية بعيدًا عن الغش، أما باقي الطلبة فهم خليط غير متجانس، حيث يوجد من لديه رادع ديني وأخلاقي، ومنهم من يلتزم بمدى قدراته بقناعة تامة، ومنهم من لا يتردد في استغلال فرصة الغش عند توفرها
بالطبع لا يمكن بأي حال من الأحوال تبرير عملية الغش سواء من الناحية الاجتماعية أو الدينية أو التربوية
يعرف الغش وفقًا للمعاجم العربية بأنه الخداع والخيانة وإظهار خلاف ما يبطن، وعند تطبيق هذا المفهوم على المجال الأكاديمي يمكن اختصاره بمعاني متعددة تشمل الخيانة الذاتية والآخرين واستحقاق ما ليس له بحق، مما يؤدي إلى نتائج غير واقعية مثل فقدان الثقة بالشهادة وقتل روح المنافسة الشريفة
تتعدد أسباب الغش في الاختبارات في المجال الأكاديمي، ورغم استعراضها إلا أنها لا تشكل مبررات مقبولة، ومن بينها أسباب تربوية تتمثل في قلة الاستعداد وعدم فهم المادة بشكل صحيح وصعوبة الأسئلة وضيق الوقت، وأسباب نفسية تشمل ضعف الثقة بالنفس والخوف من الرسوب والرغبة في التفوق، بالإضافة إلى أسباب تنظيمية تتعلق بسوء تنظيم المقاعد في القاعات وتهاون المراقبين
ما هي السبل الممكنة للحد من ظاهرة الغش؟ يمكن أن تشمل العلاج السلوكي المعرفي من خلال التوعية بتقوية الوازع الديني والأخلاقي، وتعزيز الرقابة، وتطوير أساليب تقييم تعتمد على الفهم والاستيعاب بدلاً من الحفظ والتذكر، وتنويع نماذج الأسئلة
من المنطقي أن يبتعد الطلبة عن الغش في الاختبارات كلما تقدموا في السلم التعليمي، وذلك لعدة أسباب منها الوعي بمخاطر الغش والمكانة الاجتماعية التي يمثلها الطالب وطبيعة المجتمع الذي يرفض هذه الظاهرة
تعتبر ظاهرة الغش في الاختبارات مشكلة عالمية تعبر القارات، حيث أفادت صحيفة (لوفيغارو) الفرنسية أن (61%) من طلاب الولايات المتحدة يغشون في الامتحانات، وأن نسبة من يندمون على ذلك لا تتجاوز (16.5%)، كما أظهر استطلاع أن (42%) من طلبة جامعة (هارفارد) الأمريكية العريقة أقروا بأنهم غشوا في مرحلة سابقة من حياتهم
تتجاوز أشكال الغش في المجال الجامعي الاختبارات لتشمل سرقات أدبية مثل سرقة رسائل الماجستير وأطروحات الدكتوراه، وقد تتفاقم المشكلة عندما يتصدر المسؤول هرم عملية الغش من خلال تسريب أسئلة الاختبار أو بيعها بأسعار مرتفعة، رغم أن مثل هذه الحالات تبقى نادرة وتحت مراقبة دائمة
لذا يجب أن نعمل على جعل الاختبارات وسيلة لا غاية، وتنويع وسائل التقييم إلى جانب الاختبارات، ويبقى الأمل معقودًا على أن يصبح الغش استثناء وليس ظاهرة.