عمان تشهد تزايدًا في المبادرات الفردية لنقل الموظفات والطالبات باستخدام سيارات خاصة مقابل أجر شهري، في ظل غياب منظومة نقل عام آمنة ومنتظمة، مما يبرز الحاجة الاقتصادية إلى خيارات بديلة رغم المخاطر القانونية والتأمينية المرتبطة بذلك، وهو ما يثير تساؤلات حول تأثير هذه الظاهرة على حياة المواطنين اليومية.
حلول فردية لأزمة تنقل يومية
تتجه العديد من الفتيات لاستخدام سياراتهن الخاصة لنقل زميلاتهن مقابل أجر يومي أو شهري، حيث يغفل الكثير منهن المخاطر القانونية والتأمينية التي قد تترتب على هذا النشاط غير المنظم، ويعكس غياب وسائل النقل العامة المتاحة في جميع الأوقات الحاجة المتزايدة للبحث عن وسائل بديلة، سواء عبر المعارف أو من خلال إعلانات على منصات التواصل الاجتماعي.
في حديث دار بين زميلات في إحدى الشركات، علمت حنان محمد أن إحدى الموظفات تقوم بنقل مجموعة من زميلاتها بسيارتها الخاصة مقابل أجر شهري، مما يضمن لهن الذهاب إلى العمل والعودة منه بانتظام، وتقول حنان إنها تواجه يوميًا أزمة في المواصلات، مما يضطرها للاستيقاظ في ساعات الفجر للوصول إلى عملها في الوقت المحدد، “وفي الشتاء، تصبح الرحلة أكثر قسوة بين ظلام الصباح والبرد الشديد” كما تصف.
بدت الفكرة مناسبة لها، خاصة أن سائقة السيارة زميلة لها في العمل، مما يمنحها شعورًا بالاطمئنان والالتزام بالمواعيد، لكن التجربة لم تكن إيجابية للجميع، حيث تشير فرناد القريوتي إلى أنها لم تشعر بالأمان أو الاستقلالية، موضحة أنها كانت تضطر أحيانًا للانتظار داخل السيارة عند توقف السائقة لقضاء احتياجاتها الشخصية، مما يضعها في موقف غير مريح، “في إحدى المرات، اضطررت للبقاء في السيارة 45 دقيقة حتى انتهت من شراء حاجيات منزلها.. لكن ماذا يمكن أن أفعل؟”.
“توصيلة” حلول رقمية للبحث عن الأمان
تحت عناوين مثل “توصيلة” أو “نقل موظفات”، تنتشر إعلانات على منصات التواصل الاجتماعي، وخاصة عبر مجموعات “فيسبوك” و”واتساب”، حيث يعرض شباب وفتيات سياراتهم الخاصة لنقل موظفين وموظفات وطلبة جامعات إلى أماكن عملهم ودراستهم مقابل أجر شهري ثابت، وتلقى هذه الإعلانات إقبالًا ملحوظًا، حيث يعتبرها البعض وسيلة أسرع وأكثر استقرارًا من النقل العام وأقل تكلفة من بعض التطبيقات.
بالنسبة لتمارا العلي، لم يكن خيار “التوصيلة الخاصة” ترفًا، بل بديلاً فرضته الظروف، حيث ترفض استخدام تطبيقات النقل غير المرخصة، بعد أن طُلب منها عدة مرات الجلوس في المقعد الأمامي “للتمويه على الشرطة”، إلى جانب عدم ارتياح عائلتها لعودتها وحدها في ساعات متأخرة، وجاء الحل عبر إعلان في مجموعة “واتساب” لسيدة خمسينية تسكن بالقرب منها، تنقل فتيات مقابل أجر شهري مقطوع، بغض النظر عن عدد أيام الدوام.
تقول تمارا: “أدفع 60 دينارًا شهريًا من باب المنزل إلى العمل، حتى لو لم أستخدم السيارة يوميًا”، مشيرة إلى أن السيدة تنقل أيضًا طالبات مدارس في الفترة الصباحية، وقد مضى على تمارا نحو 3 سنوات وهي تستخدم هذه الوسيلة دون أن تتعرض لمساءلة مرورية، حيث لم تتوقف دوريات الشرطة السيارة أو تطلب هويات الركاب، على حد قولها، وتستذكر حادث سير تعرضت له المركبة قبل فترة، حيث جرى التعامل معه ودياً بين السائقة والطرف الآخر دون تنظيم “كروكا” رسمي، مما يعكس جانبًا من المخاطر المحتملة في حال وقوع إصابات أو أضرار جسيمة، خاصة مع استخدام مركبة خصوصية لأغراض النقل بأجر
يرى الخبير في علم الاجتماع الاقتصادي حسام عايش أن هذه الظاهرة تأتي في سياق توسع ما يُعرف بالاقتصاد الموازي، حيث يلجأ الأفراد إلى أنشطة غير منظمة بحثًا عن دخل إضافي، ويشير إلى أن اتساع الفجوة بين الدخل والنفقات وارتفاع الكلف المعيشية والالتزامات المالية يدفعان الشباب والفتيات لاستثمار سياراتهم الخاصة كمصدر دخل جزئي، سواء لتغطية تكاليف الوقود أو لتسديد أقساط وقروض، ويضيف أن هذا النمط من الأنشطة، وإن بدا حلاً عمليًا لبعضهم، إلا أنه ينطوي على مخاطر قانونية وتأمينية قد لا يدركها كثيرون، خاصة في حال وقوع حوادث أو نشوء نزاعات.
ويلفت عايش إلى أن استخدام المركبات الخاصة في نقل ركاب مقابل أجر يسهم كذلك في زيادة أعداد السيارات العاملة فعليًا على الطرق، مما قد ينعكس على مستويات الازدحام، خصوصًا في المناطق الحضرية ذات الكثافة السكانية العالية، ويُقدّر عدد المركبات التي تعمل عبر تطبيقات غير مرخصة بنحو 15 ألف مركبة، مقابل نحو 13 ألف مركبة مرخصة تعمل عبر تطبيقات النقل الذكية، مما يعكس حجم القطاع غير المنظم في هذا المجال.
أرقام تنذر بواقع مروري معقد
تتزامن هذه الظاهرة مع ارتفاع ملحوظ في أعداد المركبات والحوادث المرورية، حيث بلغ عدد الحوادث المرورية المسجلة في الأردن لعام 2024 نحو 190,175، نتج عنها 543 وفاة و855 إصابة بليغة و6,597 إصابة متوسطة و10,823 إصابة بسيطة، تركزت بشكل أكبر في المناطق الحضرية، وأشار التقرير إلى أن حوادث الصدم شكلت النسبة الأكبر من إجمالي الحوادث التي نتج عنها إصابات بنسبة 57.7%، فيما بلغت نسبة الحوادث التي نتجت عنها وفيات 4.1%.
سجلت المملكة في عام 2024 ارتفاعًا في عدد السكان والمركبات، حيث بلغ عدد السكان نحو 11.7 مليون نسمة، بينما وصل عدد المركبات المسجلة إلى 2,008,765، ودخلت 783,156 مركبة أجنبية للمملكة في العام ذاته، كما ارتفع معدل ملكية المركبات من مركبة لكل 69 شخصًا عام 1970 إلى مركبة لكل 6 أشخاص عام 2024، بينما بلغ معدل الزيادة السنوي في أعداد المركبات 2.85% خلال السنوات الأربع الأخيرة.
قانونيًا، ينص قانون السير رقم 49 لسنة 2008 وتعديلاته لعام 2023 على منع استخدام المركبات الخاصة (ذات اللوحات البيضاء) لنقل الركاب مقابل أجر، ويُعد ذلك مخالفة يعاقب عليها بالحبس من أسبوع إلى شهر أو بغرامة تتراوح بين 100 و200 دينار، أو بكلتا العقوبتين، بهدف تنظيم قطاع النقل وضمان سلامة الركاب، حيث تخضع المركبات العمومية لشروط فنية ورقابية وتأمينية تختلف عن المركبات الخاصة.
من يتحمل التعويضات عند وقوع حوادث؟
يؤكد الخبير القانوني في شؤون التأمين، المحامي ماهر الحسين، أن نقل ركاب مقابل أجر باستخدام مركبة خصوصية مخالف لشروط التأمين الإلزامي، ويوضح أنه في حال ثبُت أن السائقة تنقل ركابًا مقابل أجر، فإنها تتحمل المسؤولية القانونية كاملة، وقد تُحرَّر بحقها مخالفة، بالإضافة إلى إمكانية حجز المركبة لمدة 48 ساعة وتحويل السائق أو السائقة إلى الحاكم الإداري في بعض الحالات، ويشير إلى أن الإشكالية الأبرز تظهر عند وقوع حادث نتج عنه إصابات، حيث يحق لشركة التأمين، في حال أثبتت أن المركبة كانت تُستخدم للنقل بأجر، أن تتنصل من مسؤوليتها تجاه تعويض السائق والركاب، أو أن تعود على السائق بالمبالغ المدفوعة لاحقًا في حال ثبوت المخالفة.
وفي تصريحات سابقة لهيئة تنظيم النقل البري، أكدت الهيئة أن تنظيم النقل غير المرخص لا يدخل ضمن اختصاصها، مشيرة إلى أن مخالفة المركبات الخاصة التي تنقل ركابًا مقابل أجر دون ترخيص تقع ضمن مسؤوليات إدارة السير المركزية، بينما يقتصر دور الهيئة على تنظيم عمل المركبات الحاصلة على ترخيص رسمي، وبين الحاجة إلى وسيلة نقل آمنة ومنتظمة والمخاطر القانونية والتأمينية التي قد تترتب على استخدامها، تجد فتيات كثيرات أنفسهن أمام خيار “التوصيلة الخاصة” كحل عملي لأزمة تنقل يومية، ورغم ما يوفره هذا الخيار من شعور بالراحة والاستقرار لبعضهن، إلا أنه يبقى نشاطًا غير منظم تحكمه تفاهمات شخصية، في ظل واقع نقل عام لا يلبي بعد احتياجات جميع الفئات، خاصة في أوقات الذروة أو في بعض المناطق البعيدة.

