عمان تشهد تحولات دبلوماسية بارزة مع انعقاد القمة الثلاثية في جدة، حيث تعكس هذه القمة تحولًا في النظام العربي من التنسيق المحدود إلى الشراكات الاستراتيجية، مما يعزز قدرة الدول العربية على التأثير في مجريات الأحداث وإعادة تشكيل البيئة الأمنية بما يتماشى مع مصالحها المشتركة.

في هذا السياق، أشار خبراء سياسيون واستراتيجيون إلى أن توقيت القمة جاء استجابة للتصعيد الإقليمي المتسارع، حيث يعكس إدراكًا عربيًا لضرورة التحرك الاستباقي بدلًا من الاكتفاء بإدارة الأزمات، وهو ما يتضح من الرسائل التي تضمنها البيان الختامي، والتي أكدت على أهمية خفض التصعيد ووقف الهجمات واحترام سيادة الدول.

كما أكد المختصون أن القمة تمثل خطوة نحو تطوير إطار عربي قادر على التنسيق مع الشركاء الدوليين من موقع الفاعل، وليس المتلقي، خصوصًا في ظل التحولات التي يشهدها النظام الدولي.

وفيما يتعلق بمضمون القمة، فإن التأكيد على تعزيز العمل العربي المشترك لمواجهة الأعباء الاقتصادية للحرب يعكس إدراكًا بأن الأمن لم يعد مقتصرًا على البعد العسكري، بل يشمل الأبعاد الاقتصادية والتنموية، مما يتطلب تنسيقًا أوسع بين الدول العربية وتكامل أدواتها لمواجهة تداعيات الأزمات.

تعزيز التنسيق المشترك

الخبير د. نضال أبو زيد، أشار إلى أن القمة التي جمعت الأردن والسعودية وقطر تعكس عمق العلاقات الأردنية العربية، مشددًا على نجاعة الدبلوماسية الأردنية وقدرتها على التحرك بفاعلية في بيئة إقليمية معقدة.

وقال أبو زيد إن هذا اللقاء لم يكن مجرد اجتماع تقليدي، بل جاء ليؤطر لمرحلة جديدة من العلاقات بين هذه الدول، تقوم على تعزيز التنسيق المشترك، خاصة في ظل تصاعد التهديدات والتحديات في المنطقة، وفي مقدمتها الأزمة المرتبطة بإيران وتداعياتها الإقليمية.

وأضاف أبو زيد أن القمة حملت رسائل سياسية واضحة إقليميا ودوليا، تعكس التوجه لإعادة بناء مقاربة أكثر تماسكا في التعامل مع التحديات الأمنية، حيث بدأت الدول العربية الفاعلة تنتقل من مرحلة إدارة الأزمات إلى صياغة استجابات مشتركة وأكثر تنظيما.

كما أشار إلى أن توقيت القمة يكتسب أهمية خاصة، إذ جاء في لحظة تشهد فيها المنطقة تصعيدًا ملحوظًا في التوترات، مما يعكس إدراكًا مشتركًا لضرورة التحرك السريع لتنسيق المواقف واحتواء المخاطر قبل تفاقمها.

وبيّن أن اللقاء الذي جمع جلالة الملك عبد الله مع الشيخ تميم بن حمد آل ثاني وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، برغم أن ملامحه العامة بدت دبلوماسية وبروتوكولية، إلا أن مضمونه الحقيقي يتجه نحو رسم إطار جديد من التعاون العسكري والأمني بين الدول الثلاث.

رسائل سياسية عميقة

وفي الإطار ذاته، أكد الخبير د. بشير الدعجة أن القمة الثلاثية التي جمعت جلالة الملك عبدالله الثاني مع سمو الأمير محمد بن سلمان وسمو الأمير تميم بن حمد آل ثاني في جدة حملت رسائل سياسية عميقة، تجاوزت إطار اللقاء التقليدي إلى مستوى إعادة صياغة قواعد الاشتباك السياسي في المنطقة.

وقال الدعجة إن هذه القمة عكست انتقالًا عربيًا مدروسًا من مرحلة الترقب إلى مرحلة المبادرة الاستراتيجية، ومن منطق إدارة الأزمات إلى منطق هندسة مخرجاتها، مما يؤكد أن العواصم العربية الفاعلة لم تعد تقبل بأن تكون ساحات لتصفية الحسابات الدولية، بل أطرافًا مؤثرة في صياغة مساراتها.

وأضاف الدعجة أن القمة حملت في جوهرها رسالة ردع مركبة موجهة إلى القوى الإقليمية الطامحة للتمدد، مفادها أن المجال الحيوي العربي لم يعد مفتوحًا بلا ضوابط، مشيرًا إلى أن هناك إعادة تموضع عربي يعيد رسم خطوط النفوذ وفق معادلة توازن قوى أكثر صلابة.

وعلى المستوى الدولي، بين أن القمة قدمت نفسها كنقطة ارتكاز لشراكة جديدة مع القوى الكبرى، تقوم على المصالح المتبادلة لا التبعية، في ظل مؤشرات على تراجع الانخراط الأميركي التقليدي في المنطقة.

وتابع أن هذا الأمر يدفع الدول العربية لبناء منظومة استقلال استراتيجي، قادرة على ملء الفراغ ومنع اختلال التوازنات، مؤكدًا أن الرسالة الأعمق تمثلت بأن النظام الإقليمي العربي بصدد إعادة إنتاج نفسه كفاعل لا كمتلق، وكقوة توازن لا كمنطقة فراغ.

وأشار الدعجة إلى أن القمة عكست انتقالًا نوعيًا في أدوات التأثير السياسي العربي من الدبلوماسية التقليدية إلى ما وصفه بـ”الدبلوماسية المركبة”، التي تدمج بين الاقتصاد والأمن والإعلام والنفوذ الجيوسياسي في معادلة واحدة.

ولفت إلى أن امتلاك السعودية لأدوات مؤثرة في أسواق الطاقة العالمية، إلى جانب الدور المحوري لقطر في سوق الغاز الطبيعي المسال، والموقع الجيوسياسي الحساس للأردن، شكل مجتمعا قوة تأثير قادرة على إعادة توجيه مسارات القرار الدولي.

كما أكد أن القمة حملت رسالة ضمنية، بأن أي ترتيبات إقليمية مستقبلية، لن تكون مكتملة دون حضور عربي فاعل، وأن مرحلة تجاوز الدور العربي في هندسة التسويات قد انتهت عمليًا، مما يعزز فرضية التوجه نحو شراكة قسرية مع القوى الكبرى بدلا من التبعية التقليدية.

وبشأن أهمية توقيت انعقاد القمة، أوضح الدعجة أنه جاء في ظل تصعيد متسارع بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، ما يمنحه دلالات استراتيجية واستخبارية عميقة، تعكس استشعارًا مبكرًا لاحتمالات الانفجار الإقليمي، مشيرًا إلى أن طبيعة الصراع في المنطقة لم تعد تقليدية، بل تحولت إلى حرب هجينة متعددة المستويات، تستخدم فيها أدوات عسكرية وتقنية وسيبرانية، مما يرفع من احتمالات الانزلاق إلى مواجهة واسعة النطاق.

واعتبر الدعجة أن القمة جاءت كآلية استباقية لاحتواء التداعيات، ومنصة لتوحيد تقديرات الموقف بين الدول العربية المحورية، فضلاً عن كونها رسالة بأن أي محاولة لتمديد مسرح العمليات إلى العمق العربي، ستواجه بجبهة متماسكة قادرة على الردع والاحتواء، مضيفًا أن توقيت القمة عكس أيضًا إدراكًا لتآكل قواعد الاشتباك التقليدية، وارتفاع منسوب اللايقين الاستراتيجي، مما يفرض الانتقال من مفهوم الاستجابة المتأخرة إلى الاستباق الاستراتيجي.

وأكد أن انعقادها في هذه اللحظة يهدف لبناء جدار صد متعدد الأبعاد، يشمل الجوانب الأمنية والاقتصادية والإعلامية والسيبرانية، كما يحمل رسالة غير مباشرة بأن البيئة العربية أصبحت أكثر تماسكًا وقدرة على الحد من سياسات توسيع الصراعات.

وبشأن دلالات القمة عربياً، بين الدعجة أن ما جرى في جدة يعكس تحولًا من التنسيق التكتيكي المؤقت إلى بناء نمط تكامل وظيفي مستدام يقوم على توزيع الأدوار وتعظيم نقاط القوة لكل دولة.

وأوضح بأن الأردن يمثل مركز ثقل أمني واستخباري، فيما تشكل السعودية ركيزة اقتصادية وسياسية، وتمتلك قطر أدوات تأثير دبلوماسي وإعلامي واسعة، مما يجعل من هذا التكامل قوة مركبة قادرة على إنتاج تأثير يتجاوز مجموع عناصرها.

تطوير منظومات دفاع مشترك

وأشار الدعجة إلى أن هذا النمط مرشح للتطور نحو أطر مؤسسية أعمق، تشمل تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتطوير منظومات دفاع مشترك، وإنشاء غرف عمليات تنسيقية لإدارة الأزمات، بما يقارب نماذج التحالفات المتقدمة عالميًا.

وأكد أن هذا التحول يعكس إدراكًا بأن التهديدات الأمنية لم تعد محلية، بل عابرة للحدود، مما يفرض الانتقال من مفهوم السيادة المنفردة إلى التشاركية بإدارة الأمن، وهذا يمثل تحولًا استراتيجيًا في بنية النظام العربي، لافتًا إلى أن القمة تؤسس لمرحلة التكامل الشبكي العربي الذي يربط بين مراكز القرار وغرف العمليات وقنوات التأثير، ضمن منظومة متكاملة تعمل بوتيرة متسارعة، مما يعزز القدرة على إدارة الأزمات المركبة وفرض الأجندة العربية في المحافل الدولية.

وبشأن التأكيد على وحدة أمن الأردن والخليج، شدد الدعجة على أن ذلك يعكس تبني مفهوم الأمن المتكامل القائم على ترابط الجبهات وعدم قابلية الأمن للتجزئة، موضحًا بأن الأردن خط الدفاع الأمامي في مواجهة التهديدات العابرة للحدود، بينما تمثل دول الخليج عمقًا استراتيجيًا واقتصاديًا، مما يخلق منظومة قادرة على امتصاص الصدمات والتعامل مع التحديات قبل تفاقمها.

وتابع الدعجة أن هذا الترابط يبعث برسالة ردع واضحة، بأن أي تهديد لأمن الأردن، تهديد مباشر لأمن الخليج، والعكس صحيح، مما يرفع كلفة أي محاولات لزعزعة الاستقرار، مشددًا على أن هذا التكامل الأمني لا يقتصر على البعد العسكري، بل يمتد ليشمل الاقتصاد والغذاء والمياه والمجتمع في ظل تنامي التهديدات غير التقليدية، المرتبطة بالأزمات الاقتصادية والتغيرات المناخية.

واعتبر بأن ترسيخ هذا المفهوم يعزز قدرة الدول العربية على حماية مصالحها وممراتها الاستراتيجية، ويحد من فرص الاختراق الخارجي، بما يؤسس لمرحلة جديدة عنوانها الأمن العربي، المترابط القادر على الصمود والتأثير في آن واحد.

وفي هذا السياق الاستراتيجي، أكد الخبير د. بدر الماضي أن زيارة جلالة الملك للسعودية جاءت استكمالًا لسلسلة زيارات تمت برغم ظروف المنطقة الصعبة، بما في ذلك ما يواجه دول الخليج من تحديات، مشيرًا إلى أن هذه التحركات عكست إدراكًا لحجم المخاطر التي تتطلب تنسيقًا عالي المستوى.

وقال الماضي إن للزيارة أبعادًا نفسية واجتماعية، بحيث حملت رسائل دعم وتضامن ذات أثر كبير لدى الأشقاء في الخليج، مؤكدًا أن هذا البعد لا يقل أهمية عن الرسائل السياسية، لما له من دور بتعزيز الثقة وترسيخ العلاقات بين الدول.

وأضاف أن القمة حملت في جانبها السياسي دلالات على تحول جديد في نمط العلاقات العربية، مبينًا أنه مع الاحترام لجامعة الدول العربية، لكنها لم تعد الإطار الأكثر فاعلية لإدارة هذا النوع من العلاقات، في ظل تعقيد التحديات وتسارع التحولات، مشيرًا إلى أن المرحلة تشهد توجهًا نحو بناء صيغ تعاون أكثر مرونة، تقوم على تحالفات ثنائية وثلاثية، تمتلك ثقلاً مؤثرًا في القرار العربي وعلى الساحتين الإقليمية والدولية.

وبيّن الماضي أن هذه التحولات قد تفضي لتشكل نواة لتحالفات أوسع، تضم معظم دول الخليج إلى جانب الأردن والسعودية، مع احتمالات الانفتاح مستقبلاً على قوى إقليمية مثل تركيا، وربما التوجه نحو دول أخرى كـباكستان وإندونيسيا، مما يعزز من حضور هذه الكتلة في التفاعلات الدولية.

وأكد أن هذه القمة شكلت بذرة جديدة في نمط العلاقات العربية، خصوصًا بين دول الخليج وبلاد الشام، لافتًا إلى أهمية بناء تنسيق بين الدول التي تتقاطع في رؤيتها تجاه ما يجري في المنطقة، وتدرك حجم المخاطر التي تشكلها التهديدات المختلفة على الأمن القومي العربي.

وأشار الماضي إلى أن المرحلة الحالية تتطلب الابتعاد عن التهويل الإعلامي، وعدم الاتكاء على تجارب تاريخية لم تحقق النتائج المرجوة، مؤكدًا ضرورة الانتقال لإجراءات قادرة على إحداث فرق في مسار العلاقات الإقليمية والدولية.

كما لفت إلى أن القمة بعثت برسائل تتعلق بإعادة تشكيل الخطط الدفاعية والاستراتيجية، موضحًا بأن المرحلة المقبلة ستشهد تطويرًا في هذا المجال، مع الحفاظ على التحالفات التاريخية، بخاصة مع الولايات المتحدة الأميركية والدول الفاعلة في النظام الدولي، ولكن دون الاعتماد الكامل عليها.

وشدد الماضي على أن الدول المعنية ستتجه لتعزيز قدراتها الذاتية بين السنوات الخمس إلى العشر المقبلة، بما يسهم ببناء حالة من الردع، ويعزز قدرتها على مواجهة التحديات والأخطار عبر توسيع شبكة علاقاتها الإقليمية والدولية بشكل أكثر توازنًا وفاعلية.