بدخول الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران يومها التاسع تتوالى التصريحات من الرئيس الأميركي حول أهداف الحرب وتتنوع بين تغيير النظام وتدمير القدرة النووية الإيرانية وإتاحة الفرصة للشعب الإيراني للثورة والتحرر وتدمير الجيش الإيراني ومشاركة ترامب شخصيًا في اختيار خلف لخامنئي مما يعكس عدم استقرار الأهداف الأميركية المتغيرة يوميًا وفي هذا السياق تبرز تصريحات ترامب ونتنياهو التي تشير إلى أن تأخير الحرب لأسبوعين فقط كان كفيلاً بتمكين إيران من إنتاج سلاح نووي رغم تأكيد إيران المتكرر على ابتعادها عن تطوير السلاح النووي وكونها دولة موقعة على اتفاقية عدم انتشار الأسلحة النووية بينما لم تصدر وكالة الطاقة الذرية الدولية أي تقرير يدعم المزاعم الأميركية وتدخل الحرب الجديدة المنطقة في حالة من الفوضى العسكرية والأمنية والاقتصادية حيث تشير رئيسة البرلمان الأوروبي إلى أن هذه الفوضى ناتجة عن تآكل النظام الدولي الذي ساهمت فيه إسرائيل بدعم أميركي مطلق بينما كانت المفاوضات الأميركية الإيرانية تحقق تقدمًا مشجعًا.
وإزاء هذا الوضع ترد إيران على الهجوم الأميركي الإسرائيلي بطريقة غير محسوبة حيث بدلاً من السعي لاكتساب تعاطف الدول المجاورة مثل دول الخليج العربي والسعودية والأردن وتركيا اتجهت إلى توجيه ضربات صاروخية لهذه الدول مما جعلها تقف جميعًا ضد العدوان الإيراني بينما تتراوح المطالب بين وقف العدوان الإيراني ووقف الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في ظل حالة من الفوضى وعدم اليقين في المنطقة أما أوروبا فهي رغم قناعتها بعدم صدقية مبررات الحرب إلا أنها تتأرجح بين الانسياق مع أميركا كونها الحليف الرئيسي لأوروبا في ظل تدهور العلاقات الأوروبية الروسية ومحدودية مصادر الطاقة أمام أوروبا.
ومع ذلك يجب الاعتراف بأن المحرك الأول والمستفيد الوحيد من هذه الفوضى السياسية والعسكرية والأمنية هي إسرائيل التي استغلت الوضع لصالحها حيث لعبت على “وتر الصفقة لدى ترامب” ودفعت الولايات المتحدة إلى الحرب لتشغل العالم في مواجهة إيران بينما تستمر إسرائيل في تنفيذ سياساتها الاستعمارية في فلسطين ولبنان وسوريا دون رقابة مما يغطي ضباب الحرب الجرائم الإنسانية التي ترتكبها إسرائيل في غزة والتي تعطل مشروع ترامب لإعادة البناء إضافة إلى إغلاق الأقصى ونهب الأراضي الفلسطينية.
وهنا لا بد من التأكيد على عدد من النقاط المهمة وعلى النحو التالي.
أولاً
لا خلاف على أن إيران أساءت في سياساتها تجاه المنطقة العربية منذ إطلاق شعار تصدير الثورة قبل 47 سنة حيث سعت من خلال وكلائها للسيطرة السياسية على المنطقة وخاصة العراق وسوريا ولبنان واليمن كما أساءت بشكل أكبر حين وجهت صواريخها وطائراتها المسيرة نحو عدد من الدول العربية دون مبرر سياسي أو عسكري.
ثانياً
إن الأخطاء الإيرانية يجب ألا تحجب عن الدول العربية الخطر الأكبر والأشد ضراوة وهو الخطر الإسرائيلي الذي يستخدم المخالب الأميركية للانقضاض على الدول التي لا تتوافق سياساتها مع التوجه الإسرائيلي.
ثالثاً
تستغل إسرائيل الحرب وأخطاء حزب الله لتباشر حربًا مفتوحة على لبنان حيث تتكرر النداءات العسكرية يوميًا إلى سكان المدن والقرى اللبنانية بإخلاء بيوتهم والرحيل حيث تتجه حملات التدمير والتجريف نحوهم سواء كانوا في الجنوب أو في الضاحية الجنوبية أو بيروت أو حتى البقاع وبعلبك وتصدر التهديدات عن الحكومة الإسرائيلية حيث أعلن سموتريتش أن مصير غزة ينتظر لبنان إذا استمرت المقاومة ضد التوسع الإسرائيلي.
رابعاً
تعمل إسرائيل على إنشاء مناطق عازلة تحيط بها سواء في قطاع غزة أو جنوب لبنان أو جنوب سوريا بهدف أن تتحول هذه المناطق العازلة مستقبلاً إلى مناطق تضمها إسرائيل بينما تواصل حاليًا ابتلاع الضفة الغربية.
خامساً
من المتوقع أن تستمر الحرب لعدة أسابيع مما سيخلق أزمة عالمية في الطاقة والنقل والتأمين والغذاء مما يؤدي إلى تراجعات اقتصادية في كثير من بقاع العالم وأولها المنطقة العربية إضافة إلى إشكاليات النقل البحري التي قد تؤدي إلى نقص الغذاء في بلدان كثيرة مما يتطلب وضع خطط فعالة للتغلب على هذا الإشكال بالغ التعقيد.
سادساً
من المستبعد تمامًا أن تتطور الحرب إلى غزو بري للقوات الأميركية لإيران نظرًا لتعقيد الحركة على الأرض وصعوبة تحقيق أي هدف وبالتالي ستعتمد الحرب بشكل رئيسي على القصف الجوي والصواريخ والطائرات المسيرة والاغتيالات وتدمير المرافق والبنى التحتية على أوسع نطاق مما يؤدي في النهاية إلى الهدف غير المعلن وهو تفكك إيران إلى دويلات قومية وطائفية.
اليوم ونحن نشهد هذا الانسياق الأميركي وراء التطلعات الصهيونية كما يمثلها نتنياهو ودون أن يتعرض ترامب وحلفاؤه بموقف واضح ضد ما تقترفه إسرائيل من جرائم في فلسطين ولبنان يثور السؤال ماذا بعد إيران فقد دمرت القوة الأميركية وأعوانها كل من العراق وسوريا وإيران فرضًا وليبيا ماذا لو طلب نتنياهو من ترامب تغيير نظام في دولة عربية أو طلب قطعة من الأراضي العربية لكي “يتوسع قليلاً وتصبح إسرائيل أكبر من قلم على مكتب ترامب” هل سيستجيب ترامب لهذا الطلب وما هي الضمانات ألا يفعل ذلك فقد أشار ترامب إلى التوراة وفلسطين زورًا وبهتانًا فهل سيشير إلى سيناء وبني إسرائيل وماذا لو طلب نتنياهو من ترامب أرضًا عربية تحتوي على النفط حيث تحتوي البلاد العربية على الكثير من النفط فهل سيستجيب لأن إسرائيل ليست لديها مصادر نفطية إن نجاح ترامب في السيطرة على فنزويلا ثم إيران ليستولي على النفط الإيراني ويفكك الدولة المنافسة لإسرائيل في السيطرة على المنطقة فهل سيتوقف عند ذلك أم سيدفعه اليمين الصهيوني للمساهمة في تحقيق إسرائيل الكبرى.

