مع إعلان الحكومة عن تأسيس مركز للتلقيح الصناعي للمجترّات الصغيرة خلال الفترة 2026–2029 إلى جانب مبادرة لإنشاء مركز لإكثار الأعداء الحيوية الزراعية، أكد خبراء زراعيون أن هذه الخطوات تأتي ضمن رؤية شاملة تهدف إلى تعزيز كفاءة الإنتاج وتحسين الأمن الغذائي الوطني، مع التركيز على إدخال تقنيات حديثة تدعم المزارعين وتواكب التحولات العالمية في القطاع الزراعي وتحديثه.
ويُعرف إكثار الأعداء الحيوية بأنه يتضمن إنتاج وتربية كائنات نافعة مثل المفترسات والطفيليات بكميات كبيرة داخل المختبرات أو في الحقول، بهدف إطلاقها لمكافحة الآفات الزراعية بشكل مستدام وآمن بيئياً.
وبين الخبراء أن عمل هذين المركزين يرتبط بالهدف من إنشائهما، إذ إن هناك حاجة إلى نظم رصد وتقييم واضحة لقياس الأثر الفعلي على الإنتاج والدخل، وضمان وصول الخدمات إلى المزارعين الصغار وعدم اقتصارها على المشاريع الكبرى.
وأوضحوا أن الأمر يتطلب توفير برامج تدريبية متخصصة لبناء قدرات الكوادر المحلية، وتعزيز التشريعات والرقابة لضمان الاستخدام الآمن والفعال للتقنيات الجديدة.
وأشاروا إلى أن نجاح هذه المبادرات يتطلب شراكات فاعلة مع القطاع الخاص لتوفير التمويل والخبرات التقنية، وإشراك الجامعات الأردنية في البحث والتطوير وتدريب الكوادر، بالإضافة إلى دعم من صندوق البحث العلمي لتطوير حلول مبتكرة وتطبيقها ميدانياً، كما أن حملات التوعية للمزارعين حول فوائد التلقيح الصناعي والمكافحة الحيوية ضرورية لضمان تبنيهم للتقنيات الجديدة.
تعزيز الأمن الغذائي أكد الخبير الدولي في مجال الأمن الغذائي الدكتور فاضل الزعبي أن هاتين المبادرتين تأتيان ضمن رؤية شاملة تهدف إلى رفع كفاءة الإنتاج وتحسين الأمن الغذائي الوطني، مع التركيز على إدخال تقنيات حديثة تدعم المزارعين وتواكب التحولات العالمية في القطاع الزراعي.
وبين الزعبي أن مركز التلقيح الصناعي يعد خطوة إستراتيجية لتحسين السلالات الحيوانية وزيادة إنتاجية اللحوم والألبان، مما ينعكس إيجاباً على دخل المزارعين ويعزز تنافسية المنتجات الأردنية، فيما يعد مركز إكثار الأعداء الحيوية الزراعية أداة حديثة لمكافحة الآفات بطرق بيولوجية صديقة للبيئة، ما يقلل من الاعتماد على المبيدات الكيميائية ويحافظ على صحة التربة والموارد الطبيعية.
كما بين أن الغاية من إنشائهما هي تحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية والحفاظ على البيئة، ودعم صغار المزارعين عبر توفير تقنيات حديثة بأسعار معقولة، وإدماج الشباب والنساء في مشاريع ريادة الأعمال الزراعية.
وأوضح أنه ولكي يعمل المركزان وفق الهدف من إنشائهما، فهناك حاجة إلى نظم رصد وتقييم واضحة لقياس الأثر الفعلي على الإنتاج والدخل، وضمان وصول الخدمات إلى المزارعين الصغار وعدم اقتصارها على المشاريع الكبرى.
كما يتطلب الأمر توفير برامج تدريبية متخصصة لبناء قدرات الكوادر المحلية، وتعزيز التشريعات والرقابة لضمان الاستخدام الآمن والفعال للتقنيات الجديدة.
وأشار إلى أهمية المحافظة على الخريطة الوراثية الوطنية للسلالات الأردنية والعمل على الاستفادة منها في برامج التلقيح الصناعي، بما يسهم في زيادة نسبة التوائم وتحسين إنتاج اللحوم وتعزيز الهوية الوطنية للثروة الحيوانية.
وزاد أن التلقيح الصناعي للمجترات الصغيرة يعد خطوة أساسية في تحسين السلالات وزيادة الإنتاجية، حيث يعتمد على جمع السائل المنوي من ذكور مختارة وراثياً ثم تلقيح الإناث بطريقة منظمة تضمن تحسين الصفات الإنتاجية مثل إنتاج الحليب واللحوم، مبيناً أن من أبرز إيجابيات هذه التقنية أنها أقل تكلفة وسهلة التطبيق وتتيح الاستفادة من ذكور ذات صفات وراثية مميزة على نطاق واسع، غير أن محدوديتها تكمن في أن التحسين الوراثي يتم بشكل تدريجي وبطيء نسبياً، كما أن نسبة التوائم تبقى منخفضة مقارنة بتقنيات أكثر تقدماً.
وتابع أن تقنية نقل الأجنة هي خطوة متقدمة عن التلقيح الصناعي، حيث يتم اختيار إناث ذات صفات إنتاجية عالية، ثم تحفيزها لإنتاج عدد كبير من البويضات ليتم تلقيحها وإعادة زرع الأجنة في إناث أخرى، وهذه الطريقة تسمح بالاستفادة القصوى من الإناث المتميزة وراثياً، وتزيد من فرص الحصول على توائم، ما يعزز إنتاج اللحوم والألبان بشكل أسرع، ومن إيجابياتها أنها تحقق قفزة نوعية في تحسين السلالات خلال فترة قصيرة وتضاعف القيمة الاقتصادية للقطيع، فيما تكمن سلبياتها في ارتفاع التكلفة والحاجة إلى خبرات متقدمة وتجهيزات مخبرية دقيقة، إضافة إلى تحديات في البنية التحتية والكوادر المؤهلة.
وأوضح أن التلقيح الصناعي يمثل خياراً عملياً ومرحلياً للأردن في الوقت الحالي، خاصة مع محدودية الموارد المالية والبنية التحتية، بينما يمكن لتقنية نقل الأجنة أن تكون خياراً إستراتيجياً طويل الأمد إذا تم الاستثمار في بناء القدرات الوطنية وتطوير المختبرات.
وقال الزعبي إن الأهم من ذلك أن يتم استثمار الخريطة الوراثية الوطنية للسلالات الأردنية في كلا الطريقتين، بحيث يتم تحسين الصفات الإنتاجية وزيادة نسبة التوائم وتطوير إنتاج اللحوم بشكل يحقق الأمن الغذائي ويعزز مكانة الأردن في الابتكار الزراعي.
وتوقع أن يسهم المركزان في زيادة الإنتاجية الحيوانية والزراعية، وتقليل فاتورة الاستيراد من اللحوم والألبان والمنتجات الزراعية، وخلق فرص عمل جديدة في الريف الأردني، خاصة للشباب والنساء، كما سيعززان مكانة الأردن إقليمياً كمركز للابتكار الزراعي والبيئي.
تحديث زراعي مهم من جهته بين وزير الزراعة الأسبق سعيد المصري أن توجه وزارة الزراعة لتأسيس مركز للتلقيح الصناعي للمجترات الصغيرة ومركز لإكثار الأعداء الحيوية الزراعية يمثل خطوة علمية مهمة نحو تحديث القطاع الزراعي في الأردن.
وبين أن رفع الإنتاجية الوراثية لقطعان الأغنام والماعز من خلال التلقيح الصناعي يمكن أن يسهم في تحسين كفاءة الإنتاج الحيواني وزيادة العائد الاقتصادي للمربين، بينما يشكل تطوير برامج المكافحة الحيوية للآفات الزراعية أحد أهم أدوات الانتقال نحو زراعة أكثر استدامة والأقل اعتماداً على المبيدات الكيميائية.
وأضاف المصري أن إدخال هذه التقنيات الحديثة في الإنتاج الزراعي والحيواني من شأنه أن يسهم في خفض كلف الإنتاج من خلال تحسين الكفاءة الإنتاجية وتقليل الاعتماد على المدخلات المكلفة، وهو ما ينعكس إيجاباً على القدرة التنافسية للمنتجات الزراعية الأردنية في الأسواق المحلية والتصديرية.
واستدرك بالقول إن نجاح هذه المبادرات لا يعتمد على إنشاء المراكز فقط، بل على قدرتها على التحول إلى برامج تطبيقية واسعة النطاق تصل إلى المزارعين والمربين في الميدان، وتوفر خدمات فعلية في تحسين السلالات وإدارة الآفات الزراعية.
وتابع كما أن تحقيق الأثر المطلوب من هذه المراكز يستوجب توفير كوادر فنية مؤهلة ومدربة تدريباً متخصصاً في مجالات التلقيح الصناعي وإدارة برامج المكافحة الحيوية، لأن هذه التقنيات تعتمد بدرجة كبيرة على المهارة التطبيقية والخبرة الميدانية، وليس على البنية المؤسسية أو المختبرات فقط.
وقال إن نجاح المبادرة، في النهاية، يقاس بمدى قدرتها على نقل المعرفة والتقنيات الحديثة إلى الحقول والمزارع وتحويلها إلى نتائج إنتاجية ملموسة.
حلول عملية من جهته، بين الباحث والخبير في الشؤون الزراعية والتنموية د. نبيل بني هاني، أن وزارة الزراعة ماضية، وبالتعاون مع المركز الوطني للبحوث الزراعية، في إطلاق خريطة طريق تقنية للأعوام 2026-2029 تهدف إلى إحداث نقلة نوعية في الأمن الغذائي الوطني، وترتكز هذه الرؤية على دمج التكنولوجيا الحيوية والحلول الطبيعية في صلب العمل الزراعي، لتعزيز مرونة القطاع في مواجهة التحديات المناخية والاقتصادية وتحويل التحديات إلى فرص مستدامة.
وأضاف بني هاني أن تأسيس مركز التلقيح الصناعي المتطور يهدف لرفع الكفاءة الإنتاجية لقطاع الأغنام والماعز عبر نشر الجينات المتفوقة وراثياً على نطاق واسع، حيث سيعمل المركز كمختبر مرجعي لإنتاج وتوزيع قشات السائل المنوي المحسنة، ما يضمن تحسين مواصفات اللحوم والألبان في السلالات المحلية وتقليل الفجوة الإنتاجية لدى المربين.
وتابع كما يهدف مركز التلقيح الصناعي إلى حماية القطاع من الأمراض العابرة للحدود عبر تقليل التماس المباشر بين القطعان، ما يعزز منظومة الأمن الحيوي الوطني، وينعكس ذلك إيجاباً على خفض تكاليف التربية وزيادة العائد المادي للمزارعين، ما يدعم استقرار المجتمعات الريفية ويعزز قدرة المنتج الأردني على المنافسة في الأسواق الإقليمية والدولية.
وفيما يتعلق بمبادرة إنشاء مركز لإكثار الأعداء الحيوية، بين بني هاني أنها تعتبر خطوة ريادية لتبني حلول المكافحة الطبيعية للآفات الزراعية وتقليل الاعتماد على المبيدات الكيماوية، كما يهدف المركز إلى إنتاج مفترسات وطفيليات صديقة للبيئة محلياً، ما يحافظ على التوازن البيئي ويضمن سلامة التربة والمياه الجوفية من الملوثات الكيماوية الضارة، ويعزز من جودة المنتجات الزراعية الأردنية بجعلها خالية من متبقيات المبيدات، وهو المتطلب الأساسي لفتح أبواب التصدير للأسواق العالمية.
وقال بني هاني إن المركز سيوفر حلولاً اقتصادية وفعالة للمزارعين، وهو ما يرفع من قيمة العلامة التجارية للمنتج الوطني ويحمي صحة المستهلك الأردني كأولوية قصوى.
صناعات عالية القيمة وكانت الحكومة أطلقت الأحد الماضي، وضمن البرنامج التنفيذي الثاني لرؤية التحديث الاقتصادي 2026-2029، حزمة من المبادرات الإستراتيجية لقطاع الزراعة والأمن الغذائي تحت محرك الصناعات عالية القيمة، بهدف دعم البحث والتطوير والابتكار، والتوسع في استخدام التقنيات الحديثة، وتعزيز تنافسية الأردن عالمياً، فضلاً عن رفع كفاءة منظومة الأمن الغذائي الوطني.
وتتضمن المشاريع، تعزيز استخدام التكنولوجيا الموفرة للمياه في قطاع الزراعة، خلال الفترة 2026-2029 بإشراف وزارة الزراعة، إلى جانب تأسيس مركز للتلقيح الصناعي للمجترات الصغيرة خلال الفترة 2026-2029 بإشراف وزارة الزراعة والمركز الوطني للبحوث الزراعية.
وتشمل المنهجية مبادرة مركز إكثار الأعداء الحيوية الزراعية خلال الفترة 2026-2029 بإشراف وزارة الزراعة والمركز الوطني للبحوث الزراعية.
كما تشمل مشروع إنشاء شركة اقتصاد تشاركي لتنظيم العمالة وتقديم الخدمات الزراعية المتكاملة، من خلال إقامة شراكات وتحالفات تعتمد نماذج الاقتصاد التشاركي لتنظيم العمالة الزراعية وتوفير حزمة متكاملة من الخدمات للمزارعين، وذلك خلال الفترة 2027–2029، بإشراف وزارة الزراعة.
وتركز الأهداف الإستراتيجية للقطاع على زيادة الإنفاق العام على الأبحاث الزراعية والأمن الغذائي والابتكار، وتعزيز تنافسية الأردن دوليًا كوجهة للعيش، إلى جانب تعزيز الأمن الغذائي من خلال تحسين أداء المملكة على مؤشرات الأمن الغذائي العالمية، مثل مؤشر الأمن الغذائي العالمي GFSI ومؤشر حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم SOFI.

