عمان – في خطوة تعكس تطوراً ملحوظاً في مجال الرقابة المالية، أطلق ديوان المحاسبة مؤخراً عملية “مراجعة النظير” التي تتجاوز كونها إجراءً روتينياً، حيث تمثل هذه المبادرة رسالة واضحة تعكس الثقة بالنفس واستعداد الديوان للامتثال لأعلى المعايير العالمية في القياس والتقييم، مما يعزز استقلاليته ويقوي مشروعية قراراته ويزيد من وزن تقاريره أمام البرلمان والرأي العام والجهات الدولية، كما أنها تمثل نقطة تحول نحو رقابة أكثر احترافية وقدرة على حماية المال العام بكفاءة وحياد.
تدخل هذه المراجعة، التي تعد الأولى من نوعها في تاريخ الديوان، ضمن إطار أوسع يهدف إلى تعزيز الحوكمة الرشيدة وكفاءة الأداء المؤسسي، حيث تمت بالتعاون مع مكتب التدقيق الوطني البريطاني وفقاً لمعايير المنظمة الدولية للأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة “الانتوساي”، ويعكس هذا التعاون تحولاً مؤسسياً عميقاً يطال جوهر الاستقلالية والمشروعية.
المبادرة، التي تأتي ضمن الخطة الاستراتيجية للأعوام 2024-2027، تهدف إلى إجراء تقييم شامل لأطر الحوكمة ومنهجيات التدقيق وأنظمة ضمان الجودة وإدارة الموارد البشرية وقياس أثر التقارير الرقابية، مما يمنح المراجعة ثقلاً قانونياً وإدارياً استثنائياً، حيث لا تقتصر على مراجعة إجراءات شكلية بل تختبر صلابة البنية المؤسسية ذاتها.
تعد هذه الخطوة أكثر من مجرد تقييم فني، إذ تضع أداء الديوان تحت رقابة مهنية دولية محايدة يقودها خبراء ذوو خبرة تتجاوز الثلاثين عاماً، مما يمنح الديوان شهادة اعتراف دولية بمدى التزامه بالاستقلال عن ضغوط الإدارة التنفيذية، وهذا يعزز الاستقلال كمبدأ يتمتع بدعم خارجي قائم على الأدلة.
في سياق التأثير القانوني والإداري، أكد وزير تطوير القطاع العام السابق د. خير أبو صعيليك أن إطلاق مهمة مراجعة النظير وفق معايير “الانتوساي” يعزز الاستقلال المؤسسي للديوان، حيث يثبت تحرره من ضغوط الإدارة التنفيذية ويعزز مشروعية تقاريره، مشيراً إلى أن هذه الخطوة تحمل أبعاداً مهنية وقانونية وإدارية عميقة تنعكس مباشرة على استقلالية الديوان.
كما أشار أبو صعيليك إلى أن هذه المبادرة لا تقتصر على البعد الفني، بل تعزز القدرات المهنية للعاملين في الديوان من خلال تبادل الخبرات مع واحدة من أعرق مدارس التدقيق، مما يساهم في تطوير أدوات الرقابة وزيادة كفاءة الكوادر، وبالتالي تحسين جودة التقارير الصادرة.
وفيما يتعلق بالأثر القانوني الإداري، أوضح أبو صعيليك أن مراجعة النظير تمنح الديوان دعامة إضافية في مجال الاستقلال المؤسسي، حيث سيقوم النظير بمنح شهادة اعتراف دولية ناتجة عن تقييم لمدى استقلالية الديوان، مما يعزز مشروعية القرارات الرقابية باعتبارها نتاج عمل مؤسسي خاضع لمعايير موضوعية.
كما أضاف أن هذه المراجعة تسهم في تحصين المخرجات الرقابية للديوان، مما يزيد من مصداقية التقارير ويقلل من حالات التشكيك، حيث تصبح التقارير التي تعتمد على منهجيات معتمدة دولياً أكثر صلابة أمام أي طعن إداري أو تشكيك سياسي.
هذا الطرح يعكس التزام الديوان بمبدأ الاستقلال المهني، حيث تتعزز سلامة الإجراءات ويتأكد الالتزام بالمعايير المهنية بعيداً عن التجاذبات السياسية، مما يعزز مفهوم الحياد والموضوعية كركيزتين أساسيتين في مشروعية القرار الإداري.
كما أكد أبو صعيليك أن لجوء ديوان المحاسبة إلى مراجعة النظير يعكس التزاماً عملياً بمبدأ المساءلة، حيث يمثل هذا المسار الإجرائي الرشيد تطبيقاً لمبدأ المساءلة الذي يمارسه الديوان على الجهات الخاضعة لرقابته، مما يزيد من الثقة أمام البرلمان والرأي العام.
وبذلك، فإن إطلاق مهمة مراجعة النظير يعزز استقلالية ديوان المحاسبة بصورة مؤسسية موثقة دولياً، ويقوي مشروعية قراراته من خلال تحصينها بمعايير “الانتوساي”، مما يعزز الثقة البرلمانية والشعبية في تقاريره.
تقييم مؤسسي مستقل.
من جهته، وصف رئيس ديوان المحاسبة د. راضي الحمادين إطلاق مهمة “مراجعة النظير” بأنه سابقة تاريخية منذ تأسيس الديوان قبل أكثر من 74 عاماً، حيث تعكس هذه المبادرة عمق الشراكة المؤسسية مع مكتب التدقيق الوطني البريطاني.
وأوضح الحمادين أن المهمة تهدف إلى تقييم مؤسسي شامل يشمل الحوكمة ومنهجيات التدقيق وأنظمة ضمان الجودة وتطوير الموارد البشرية وقياس أثر التقارير الرقابية على التحول نحو رقابة الأداء، حيث ستنفذ المهمة على يد خبراء دوليين ذوي خبرة تتجاوز الثلاثين عاماً، وستتضمن زيارات ميدانية وجلسات تحليلية تشمل الإدارة العليا وفرق التدقيق وأصحاب المصلحة.
كما أكد الحمادين أن نتائج المهمة ستعزز الإطار القانوني والتنظيمي لعمل الديوان، وترسخ مصداقية تقاريره أمام البرلمان والرأي العام والمؤسسات الدولية، وتدعم دوره في حماية المال العام وتحسين كفاءة الإدارة المالية العامة، بما يتماشى مع التوجيهات الملكية لتعزيز الحوكمة الرشيدة.
وأشار الحمادين إلى أن المهمة تأتي بعد تقييم ذاتي شامل نفذه الديوان وفق إطار SAI PMF، وشمل مختلف الجوانب الفنية والمؤسسية، مما يشكل قاعدة لتعزيز ثقافة التقييم المستمر والاستعداد لمراجعة النظير الدولية، معتبراً هذه الخطوة من أبرز البرامج التطويرية في تاريخ الديوان لتعزيز الرقابة المهنية واستقلالية الأداء.

