إن مشروع نظام رفع مستوى السلامة المرورية والحوافز التشجيعية للسائقين لعام 2026، الذي وافق مجلس الوزراء على أسبابه الموجبة وأحاله إلى ديوان التشريع والرأي، يمثل تحولًا في كيفية معالجة المخالفات المرورية حيث يهدف إلى الانتقال من مفهوم “الخصم الموسمي” إلى فلسفة “الحافز المستدام” مما يستدعي الوقوف عند عناصره الأساسية وفهم آثاره على السلوك المروري للأفراد.
تعتبر الغرامة في جوهرها جزاءً ذو طبيعة تنظيمية يهدف إلى حماية النظام العام، وبالأخص في مجال السير، حيث يرتبط بحماية الأرواح والممتلكات، وتقوم فلسفتها على ثلاثة عناصر رئيسية تتمثل في التحديد المسبق، واليقين، والاستقرار، مما يعني أن الفرد يعلم مسبقًا أن مخالفة القاعدة ستؤدي إلى جزاء محدد وثابت، وهذا اليقين هو ما يعزز الردع العام.
في النقاشات السابقة حول الخصومات، أثيرت إشكالية إمكانية تحول الغرامة إلى “عرض موسمي”، مما قد يؤدي إلى ضعف عنصر اليقين وخلق ثقافة انتظار التخفيض بدلاً من الامتثال، بينما يبدو أن المشروع الجديد يسعى إلى معالجة هذه الإشكالية من خلال ربط الحافز بالسلوك المستمر بدلاً من الظرف الطارئ.
يمثل منح خصم بنسبة 25% على رسم الاقتناء السنوي للسائق الذي يمضي عامًا كاملاً دون ارتكاب مخالفة تحولًا نوعيًا من مجرد معاقبة المخالفين إلى مكافأة الملتزمين، وهذه المقاربة تتماشى مع فلسفة حديثة في إدارة السلوك العام التي تجمع بين الردع والتحفيز الإيجابي.
كما أن منح خصم بنسبة 30% في حال تسديد المخالفة خلال 30 يومًا و20% خلال 90 يومًا لا يمس يقين الجزاء، لأنه مرتبط بمدة واضحة ومعلومة سلفًا، وليس بقرار مفاجئ أو تسوية استثنائية، مما يعزز ثقافة المبادرة إلى الالتزام بدلاً من تراكم المخالفات.
الأكثر أهمية هو أن المشروع استثنى المخالفات الجسيمة من أي خصم، مثل القيادة المتهورة، وتجاوز الإشارة الحمراء، والتسبب في وفاة أو عاهة دائمة، وفرار السائق من مكان الحادث، وهذا الاستثناء يحافظ على جوهر الردع في الحالات التي تمس السلامة العامة بصورة خطيرة، مما يمنع تحول الحوافز إلى تساهل في الجرائم المرورية ذات الأثر البالغ.
من الناحية القانونية العامة، يتوافق هذا التوجه مع مبدأ أن الاستثناء يقدر بقدره ولا يقاس عليه، ومع القاعدة التي تقرر أن تصرف الإدارة في الشأن العام منوط بالمصلحة، حيث تمتد المصلحة هنا إلى بناء ثقافة مرورية أكثر انضباطًا واستقرارًا.
وفي بيئة تشريعية تتعدد فيها القوانين والأنظمة والتعليمات، تصبح قيمة اليقين القانوني مضاعفة الأهمية، فكلما ازدادت النصوص، ازدادت الحاجة إلى وضوح في التطبيق وثبات في الرسالة، ومن المتوقع أن يسهم المشروع الجديد، إذا طُبق باستقرار وشفافية، في تعزيز هذا اليقين، لأنه يربط الحافز بسلوك قابل للقياس، وليس بظرف سياسي أو مالي عابر.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في نسبة الخصم، بل في استدامة السياسة، فنجاح النظام مرهون بثباته واستمراريته، بحيث يتحول إلى جزء من فلسفة مرورية متكاملة تعتمد على الوقاية والردع والتحفيز معًا.
في سياق ذلك، لا يمكن قياس قوة الدولة بعدد المخالفات التي تحررها أو بحجم الخصومات التي تمنحها، بل بقدرتها على صناعة يقين قانوني راسخ، فالقاعدة التي تهتز كل موسم تفقد جزءًا من سلطتها المعنوية، بينما القاعدة التي تستقر وتكافئ الالتزام وتعاقب الخطر بصرامة، هي التي تصنع ثقافة احترام القانون.
إن الرهان الحقيقي لا يكمن في نسبة الـ25% أو خصم الـ30%، بل في الرسالة التي تُبنى في وعي السائق حول أن الامتثال هو الأصل وأن الحافز هو مكافأة للاستقامة وليس تسوية للمخالفة، فإذا تحولت الحوافز إلى جزء من سياسة ثابتة ومتسقة، فإننا نكون قد انتقلنا من إدارة المخالفة إلى إدارة السلوك.
والفرق بينهما جوهري، إذ تعالج إدارة المخالفة الأثر بينما تبني إدارة السلوك الوقاية، وفي هذا الفرق يتحدد ما إذا كانت الغرامة مجرد أداة مالية أو ركيزة من ركائز دولة القانون.

