عمان – تسعى باكستان إلى تحقيق دور محوري في استضافة المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، مدفوعة باعتبارات استراتيجية ودبلوماسية تسلط الضوء على أهمية موقعها الجغرافي وتأثير النزاع على استقرارها الداخلي، حيث أكد رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف على رغبة بلاده في أن تكون وسيطًا موثوقًا يسهم في التوصل إلى تسوية شاملة تنهي الحرب القائمة، ويعزى هذا الاهتمام إلى عدة عوامل رئيسية، أبرزها الحدود الطويلة التي تشترك بها باكستان مع إيران، مما يجعلها عرضة لأي تصعيد قد يهدد استقرارها الداخلي، خاصة في إقليم بلوشستان الحساس، كما أن استمرار النزاع يثير مخاوف إنسانية واقتصادية تتعلق بتدفق اللاجئين إلى أراضيها وتأثيراته السلبية على اقتصادها الهش،.
على الصعيد الدبلوماسي، تعتقد إسلام آباد أن استضافة هذه المفاوضات تمثل فرصة لإبراز نفسها كقوة إقليمية فاعلة تساهم في صناعة السلام بدلاً من البقاء في دور المتفرج، مما يمنحها حضورًا دوليًا أكبر في ظل مشاركة دول مثل مصر وتركيا في جهود الوساطة، ومن الناحية الأمنية، فإن تعزيز الوجود العسكري الأميركي في المنطقة يزيد من دوافع باكستان لمنع امتداد الصراع إلى أراضيها أو تعطيل طرق التجارة الحيوية مثل مضيق هرمز،.
في هذا السياق، أكد أستاذ علم الاجتماع السياسي في الجامعة الألمانية الأردنية الدكتور بدر الماضي أن هناك مجموعة من العوامل التي تجعل باكستان متحمسة لاستضافة المفاوضات الرامية إلى إنهاء الحرب الدائرة، حيث إن الموقع الجغرافي لباكستان كدولة مجاورة لإيران يجعلها الأكثر تأثرًا بأي تصعيد بري محتمل، مما يضعها أمام تحديات استراتيجية وأمنية كبيرة، خصوصًا مع احتمالية تدفق موجات من النازحين إليها،.
كما أشار إلى وجود مجموعات بلوشية إيرانية على الحدود الجنوبية مع باكستان، والتي تعيش خلافات عميقة مع الحكومة الإيرانية، مما يمثل ضغطًا إضافيًا على إسلام آباد في وقت تعاني فيه البلاد من أزمات اقتصادية بنيوية معقدة، واستمرار الحرب سيؤدي إلى تدمير البنى الاقتصادية في المنطقة، مما يقوض طموحات باكستان في تحقيق الاستقرار، لذا تسعى لرؤية إيران أكثر استقرارًا لتجنب ارتدادات اقتصادية خطيرة،.
ولفت الماضي إلى أن باكستان تسعى من خلال هذه المبادرات إلى تعزيز موقعها كقوة إقليمية فاعلة، قادرة على المشاركة في صناعة السلام، مستندة إلى قوتها العسكرية التي تجعلها إحدى الدول المؤثرة في محيطها، مما يمنح باكستان قدرة تفاوضية ودبلوماسية لا تستطيع دول أخرى تقديمها بالقدر ذاته للولايات المتحدة أو الأطراف الدولية، خاصة أن باكستان تحظى بدعم إقليمي من دول مثل تركيا ومصر وربما إندونيسيا،.
بدوره، أشار المحلل السياسي والخبير الإستراتيجي الدكتور منذر الحوارات إلى أن باكستان تُبدي حماسة واضحة لاستضافة المفاوضات المرتبطة بالصراع القائم بين إيران من جهة، والكيان الصهيوني والولايات المتحدة من جهة أخرى، حيث صنفت تقييمات دولية باكستان كأكثر الدول تضررًا من تداعيات هذه الحرب، تليها مصر ثم الأردن، مما يفسر الجهد المشترك بين القاهرة وإسلام آباد في محاولة الوصول إلى تسوية عاجلة، حيث بادرت إسلام آباد إلى عرض استضافة الحوار، بينما يظهر أيضًا دور مصري فاعل في هذا الاتجاه،.
وأوضح أن موقع باكستان الجغرافي وحدودها الطويلة مع إيران يجعلها في مواجهة مباشرة مع أي ارتدادات أمنية أو اجتماعية محتملة، خصوصًا في ظل وجود قومية البلوش الموزعة على جانبي الحدود، والتي تعاني من توترات مزمنة مع الحكومة الإيرانية، وشدد الحوارات على أن أي اضطراب داخلي في إيران قد ينعكس على باكستان ويهدد استقرارها، مما يدفعها إلى الحرص على إيجاد حل يجنّب المنطقة الانزلاق نحو تفكك أو صراع أهلي داخل إيران،.
من جانبه، اعتبر الخبير الأمني والإستراتيجي الدكتور عمر الرداد أن لباكستان حسابات دقيقة في ما يتعلق بتموضعها الإقليمي، خاصة في ظل توتر علاقاتها مع الهند، مقابل علاقات وثيقة مع المملكة العربية السعودية وسعيها إلى تعزيز الروابط مع إيران وربما المراهنة على دور إيراني جديد في المنطقة، كما أشار الرداد إلى اعتبارات اقتصادية، حيث تعتمد باكستان على استقدام الكفاءات الطبية من دول الخليج، وترى أن نجاحها في إيجاد حلول سياسية وعسكرية عبر المفاوضات يمكن أن يجنبها أزمات اقتصادية متفاقمة، خصوصًا تلك الناجمة عن إغلاق المعابر الحدودية،.
وأضاف أن إسلام آباد وبحكم علاقاتها المتينة مع الرياض وبقية دول الخليج، تسعى إلى استثمار هذه المفاوضات كمنصة لإعادة التموضع وتوثيق علاقاتها مع هذه الدول، بما يمنحها دور الوسيط الفاعل بين الأطراف المتنازعة، لافتًا إلى أن هذه الحسابات لا تنفصل عن علاقات باكستان مع الولايات المتحدة، حيث تحاول إسلام آباد أن توازن بين مصالحها الإقليمية ودورها الدولي بما يعزز مكانتها كطرف قادر على المساهمة في صناعة الاستقرار في المنطقة.

