يعتبر اضطراب الانتباه وتراجع القدرة على استرجاع المعلومات من الأعراض الشائعة التي ظهرت بعد انتشار فيروس كورونا، حيث ارتبطت هذه الشكاوى لدى كثيرين باللقاحات، إلا أن الأبحاث العلمية تشير إلى أن التأثيرات قد تكون أكثر تعقيدًا، حيث تعود في الأساس إلى تأثير العدوى على الجهاز العصبي، ووفقًا لتقرير نشره موقع Technology Networks، فإن نسبة ملحوظة من المصابين بعدوى الفيروس قد يعانون من ضعف قابل للقياس في بعض القدرات المعرفية خلال الأشهر التالية للإصابة، خاصة في مجالات الذاكرة والانتباه والوظائف التنفيذية، مع تفاوت النسب حسب شدة المرض وطريقة التقييم وفترة المتابعة.

ماذا يحدث داخل الدماغ أثناء العدوى؟

تعتبر الذاكرة وظيفة معقدة تعتمد على تكامل دوائر عصبية متعددة، وخصوصًا في منطقة الحُصين، وخلال العدوى الشديدة، يطلق الجسم استجابة مناعية واسعة تشمل إفراز سيتوكينات التهابية، وعندما ترتفع هذه الجزيئات بشكل كبير، قد تؤثر إشاراتها على البيئة الدقيقة للدماغ، وقد أظهرت الدراسات المخبرية التي استخدمت نماذج حيوانية أن بروتينًا التهابيًا يسمى إنترلوكين-1 بيتا يرتفع بعد الإصابة، ويرتبط بانخفاض تكوّن خلايا عصبية جديدة في المناطق المسؤولة عن تثبيت الذكريات، كما لوحظ تراجع في الأداء في اختبارات تقيس التعلم والاسترجاع مقارنة بحيوانات غير مصابة، والأهم أن هذه الأبحاث لم ترصد وجود الفيروس نفسه داخل أنسجة الدماغ في تلك النماذج، مما يعزز فرضية أن الخلل المعرفي ناتج عن الالتهاب وليس عن غزو مباشر للجهاز العصبي.

أين يقف اللقاح في هذه المعادلة؟

تعمل اللقاحات المعتمدة على تحفيز الجهاز المناعي للتعرف إلى مكون محدد من الفيروس دون التسبب بالمرض، حيث تهدف الاستجابة الناتجة إلى بناء ذاكرة مناعية تقلل شدة العدوى إذا حدثت لاحقًا، وفي التجارب التي قارنت بين حيوانات تلقت التطعيم قبل التعرض للفيروس وأخرى لم تتلقه، ظهرت فروق واضحة، حيث أظهرت المجموعة الملقحة مستويات أقل من الالتهاب العصبي، وانخفاضًا في إنترلوكين-1 بيتا، مع أداء أفضل في اختبارات الذاكرة، مما يشير إلى أن التطعيم قد يحد من السلسلة الالتهابية المرتبطة بتراجع التركيز، وحتى الآن، لم تقدم الدراسات الوبائية الواسعة دليلًا على أن اللقاح بحد ذاته يؤدي إلى تدهور معرفي دائم، حيث تُعتبر الأعراض المؤقتة التي قد تظهر بعد الجرعة، مثل الصداع أو الإرهاق، جزءًا من الاستجابة المناعية الطبيعية وتختفي خلال أيام.

الأدلة البشرية والمتابعة طويلة الأمد

أظهرت تحليلات شملت آلاف المرضى أن الذين تعرضوا لإصابة شديدة كانوا أكثر عرضة لتراجع أسرع في بعض الاختبارات المعرفية مقارنة بغير المصابين أو المصابين بأعراض خفيفة، كما وجدت دراسات أن ارتفاع بعض المؤشرات الالتهابية خلال المرحلة الحادة قد يتنبأ بأداء أضعف في اختبارات الذاكرة بعد ستة إلى اثني عشر شهرًا، وفي المقابل، تشير الملاحظات السريرية إلى أن الأفراد الذين تلقوا اللقاح قبل الإصابة كانت لديهم معدلات أقل من الشكاوى المعرفية طويلة الأمد، وإن كانت هذه النتائج تحتاج إلى مزيد من الدراسات السريرية لتأكيدها بصورة قاطعة.

حدود المعرفة الحالية

رغم تراكم البيانات، ما زال البحث مستمرًا لفهم التفاعل بين المناعة والدماغ بدقة أكبر، حيث لا تعكس النماذج الحيوانية التعقيد الكامل للدماغ البشري، كما أن تقييم التركيز والذاكرة يتأثر بعوامل متعددة مثل العمر والحالة الصحية السابقة ومستوى التعليم والضغط النفسي، ومن المهم أيضًا التفريق بين العلاقة الزمنية والسببية، حيث إن ظهور عرض بعد التطعيم لا يعني بالضرورة أن اللقاح هو السبب، خاصة في ظل انتشار القلق العام والضغوط الاجتماعية خلال فترة الجائحة.

التقييم الطبي 

عند مراجعة المعطيات المتاحة، لا توجد دلائل قوية تثبت أن لقاح كورونا يسبب النسيان أو فقدان التركيز بشكل مباشر، وفي المقابل، توجد شواهد متزايدة على أن العدوى نفسها، خاصة إذا كانت شديدة، قد ترتبط باضطرابات معرفية مرتبطة بالالتهاب، وفهم هذه الفروق ضروري لاتخاذ قرارات صحية مبنية على الأدلة، بعيدًا عن الانطباعات غير المدعومة بالبحث العلمي.