في ظل تصاعد الصراع بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، يزداد القلق العالمي نتيجة التعرض المستمر لمشاهد الحرب عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث يحذر الخبراء من أن متابعة الأخبار السلبية بشكل مفرط قد تؤدي إلى توتر وإرهاق عاطفي وصدمة، وفقًا لموقع “تايمز ناو”.
عندما تعيش الحرب على شاشتك
على عكس الحروب السابقة التي كانت تُتابع عبر نشرات الأخبار التلفزيونية أو الصحف، تتكشف الصراعات الحديثة لحظة بلحظة على وسائل التواصل الاجتماعي حيث تنتشر لقطات مقلقة لهجمات على المدارس والمستشفيات، وتكتظ جميع قنوات التواصل الاجتماعي بفيديوهات الإجلاء، وتظهر الخطابات السياسية فورًا على العديد من المنصات.
تدفع الخوارزميات بالتحديثات المثيرة إلى أعلى صفحات الأخبار مما يخلق رغبة شبه قهرية في تحديث الصفحة باستمرار، وقد أصبح لهذا السلوك اسم: التصفح السلبي
يصف علماء النفس ظاهرة التصفح السلبي المتكرر بأنها استهلاك متكرر للأخبار السلبية مما يُشعر الناس بالعجز والخوف والإرهاق العاطفي.
وقد أثبتت الأبحاث مرارًا وتكرارًا أن التعرض المستمر للأخبار المتعلقة بالأزمات يُمكن أن يُثير القلق والاجترار والتوتر، خاصةً عندما يبدو الموقف وكأنه يحدث في مكان بعيد جدًا وغير قابل للتنبؤ أو السيطرة، حيث تزدهر الحروب في ظل عدم اليقين.
الصدى العاطفي للصراع البعيد
حتى بالنسبة لمن هم بعيدون عن ساحة المعركة، قد تكون الآثار النفسية عميقة وشديدة، فقد وجدت دراسات أُجريت خلال الحرب الروسية الأوكرانية أنه كلما زاد الوقت الذي يقضيه الشخص في متابعة أخبار الحرب، زادت احتمالية ظهور أعراض القلق والتوتر والاكتئاب، وحتى أعراض تشبه اضطراب ما بعد الصدمة.
والآلية بسيطة بشكلٍ مُدهش عند التدقيق فيها، فالتحديثات المستمرة تُولّد حلقة مفرغة من القلق، لذا حتى وإن لم تكن في ساحة المعركة، فإن التحديثات المتواصلة الواردة منها مباشرةً قد تُدخل العقل في حالة خوف دائم.
إذ يُفسّر الدماغ صور العنف الصارخة على أنها تهديدات محتملة، ويُفعل استجابة الجسم للتوتر، حتى عندما يكون المشاهد في مأمن جسديًا، وتشير دراسة أخرى إلى أن المراهقين الذين تعرضوا باستمرار لصور الأحداث في غزة عبر المنصات الإلكترونية تأثروا سلبًا، فقد أبلغ 61.5% منهم عن قلق شديد، وعانى ما يقرب من 30% من أعراض توتر حاد.
الحرب في رؤوسنا
أدى الصراع الحالي بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة إلى خلق بيئة تُغذي القلق الرقمي، حيث بدأت الحرب بحملة ضربات أمريكية إسرائيلية واسعة النطاق استهدفت البنية التحتية العسكرية الإيرانية وقيادتها، وردت إيران بهجمات صاروخية وردود إقليمية، بينما تستمر الاشتباكات البحرية والغارات الجوية في أنحاء الشرق الأوسط.
مع اتساع رقعة الصراع، يستوعب ملايين الأشخاص حول العالم صوره عبر هواتفهم، ويقول الخبراء إن التعرض المستمر لمثل هذه الأزمات قد يُسبب “صدمة غير مباشرة”، حيث يعاني الأفراد من ضائقة نفسية رغم عدم تأثرهم المباشر بالحدث، وبالنسبة للكثيرين، تكون هذه الضائقة صامتة لكنها مستمرة: شعور دائم بالخوف أو أرق أو إحساس بأن العالم يفلت من السيطرة
لماذا نستمر في التمرير؟
إذا كان تصفح الأخبار السيئة يجعلنا نشعر بالسوء، فلماذا نستمر في فعل ذلك؟ يعتقد علماء النفس أن الإجابة تكمن في سعي الدماغ البشري نحو اليقين، فعند مواجهة أزمة عالمية، يسارع الناس غريزيًا إلى جمع المعلومات على أمل أن يُعيد فهم الموقف الشعور بالسيطرة، لكن في بيئات الإعلام الحديثة، نادرًا ما تُفضي المعلومات إلى حل نهائي، بل إن كل تحديث يُثير سؤالًا آخر وفيديو آخر وتوقعًا آخر بشأن التصعيد وهكذا يستمر التصفح بلا توقف.
حماية عقلك في عصر الأزمات
الحقيقة هي أن الصراعات العالمية ستستمر في الوصول إلينا عبر شاشاتنا، لكن خبراء الصحة النفسية يقترحون بعض العادات الوقائية، مثل اقتصر على متابعة الأخبار في أوقات محددة من اليوم، وتجنب التصفح قبل النوم، ووازن بين تغطية الحرب والمحتوى الإيجابي أو الذي يبعث على الاستقرار، وركز على المعلومات الموثوقة بدلاً من التكهنات المنتشرة على نطاق واسع، من المهم البقاء على اطلاع ولكن من المهم أيضًا الحفاظ على سلامة الحالة النفسية، لأنه بينما قد تُخاض الحروب بالصواريخ والطائرات المسيرة، فإن موجاتها العاطفية تنتقل الآن عبر شيء أصغر بكثير: شاشة الهاتف في راحة يدنا

