لطالما ارتبطت فكرة طول العمر بالحركة والنشاط البدني، لكن الأبحاث الحديثة تشير إلى أن تنوع أشكال الحركة قد يكون له تأثير كبير على الصحة العامة، مما يجعل السؤال المطروح الآن هو كيفية ممارسة النشاط البدني بدلاً من مجرد التركيز على كميته، حيث أظهرت الدراسات أن الأشخاص الذين يمارسون أنشطة بدنية متنوعة لديهم فرص أكبر للعيش لفترة أطول مقارنة بمن يلتزمون بنمط حركي واحد، حتى وإن كان إجمالي وقت التمرين متساويًا بين المجموعتين.

لماذا لا يكفي التمرين الواحد؟

الجسم البشري هو نظام معقد، وكل نوع من الحركة يؤثر على أجهزة مختلفة داخله، حيث تنشط التمارين الهوائية القلب والرئتين، بينما تساعد تمارين القوة في الحفاظ على الكتلة العضلية والعظام، كما تساهم تمارين التوازن والمهارات الحركية في دعم الجهاز العصبي وتقليل مخاطر السقوط مع التقدم في العمر، مما يعني أن الاعتماد على نمط واحد قد يحرم الجسم من هذا التكامل الوظيفي، وقد أظهرت الدراسة أن التنوع الحركي يفرض تحديات مختلفة على العضلات والمفاصل والأعصاب، مما يحفز آليات التكيف البيولوجي ويُبطئ التدهور المرتبط بالعمر.

كيف قاس الباحثون التنوع الحركي؟

استند التحليل إلى بيانات طويلة المدى شملت أكثر من مئة ألف مشارك من العاملين في القطاع الصحي، وتمت متابعتهم على مدار عقود، حيث طُلب من المشاركين تسجيل أنواع أنشطتهم البدنية بشكل دوري وليس فقط مدتها الزمنية، وتم احتساب مؤشر خاص يعكس عدد الأنشطة المختلفة التي يمارسها كل فرد بانتظام، حيث شملت الأنشطة المشي والجري وركوب الدراجات والسباحة وصعود السلالم وتمارين المقاومة وبعض الرياضات التي تعتمد على المهارة والتنسيق الحركي.

نتائج تتجاوز التوقعات

أظهرت النتائج أن أصحاب أعلى درجات التنوع في النشاط البدني سجّلوا انخفاضًا ملحوظًا في معدلات الوفاة المبكرة مقارنة بمن مارسوا عددًا محدودًا من الأنشطة، حتى عندما كان إجمالي وقت التمرين متساويًا تقريبًا، كما ارتبط التنوع بانخفاض مخاطر الوفاة الناتجة عن أمراض القلب ومشكلات الجهاز التنفسي وبعض الأمراض المزمنة، مما يعني أن الحركة المتنوعة لا تحسّن اللياقة فقط، بل تدعم بقاء الجسم في حالة توازن وظيفي أفضل على المدى الطويل.

ما العلاقة بين التنوع وطول العمر؟

يفسر خبراء فسيولوجيا الحركة هذه النتائج بأن التنوع يمنع الجسم من الدخول في حالة “التكيف الكامل”، حيث تتوقف بعض الأنظمة عن التطور عند التعود على نمط واحد، وعندما تتغير طبيعة الجهد المبذول، يُجبر الجسم على إعادة ضبط استجاباته المناعية والتمثيل الغذائي وكفاءة العضلات والمفاصل، مما يعني أن العمر الصحي يتأثر بكمية الحركة فقط، بل بقدرة الجسد على التكيف مع أنماط متعددة من الجهد.

هل أي حركة مفيدة؟

تشير البيانات إلى أن أي نشاط بدني يظل أفضل من الخمول، لكن الفائدة القصوى تتحقق عند الدمج بين أكثر من نوع، حيث يمكن أن تكون الأنشطة اليومية البسيطة مثل الأعمال المنزلية أو استخدام السلالم بدل المصعد جزءًا من هذا التنوع إذا أُدمجت بذكاء مع تمارين أخرى.

كيف يمكن تطبيق ذلك في الحياة اليومية؟

لا يتطلب الأمر برامج معقدة أو تمارين شاقة، حيث يمكن ببساطة استبدال حصة واحدة من المشي بتمارين تقوية أو إضافة نشاط ترفيهي يعتمد على المهارة مرة أسبوعيًا، والهدف هو تحفيز الجسم بطرق مختلفة وليس إرهاقه.

حدود الدراسة وما يجب الانتباه له

رغم قوة النتائج، أشار الباحثون إلى أن البيانات اعتمدت على إفادات المشاركين، مما قد يترك هامشًا للخطأ، كما أن العينة كانت في معظمها من فئة مهنية واحدة، وهو ما يستدعي مزيدًا من الأبحاث على شرائح أوسع من المجتمع، ومع ذلك تظل الرسالة الأساسية واضحة، وهي أن التنوع الحركي عنصر لا يمكن تجاهله عند الحديث عن الصحة طويلة الأمد.