بعد سنوات من الأبحاث، عاد الذهب، المعدن التاريخي المعروف، ليصبح محور اهتمام في مختبرات أبحاث السرطان، حيث يتم استخدامه الآن في شكل جزيئات نانوية متناهية الصغر، مما قد يسهم في تطوير أساليب علاجية أكثر دقة وفاعلية، وهو ما يتزامن مع اليوم العالمي للسرطان.
ما هي جزيئات الذهب النانوية؟
جزيئات الذهب النانوية هي ذرات ذهب متجمعة بحجم صغير للغاية، لا يتجاوز واحدًا من ألف من سمك شعرة الإنسان، كما ذكر موقع mdanderson، ورغم حجمها الضئيل، فإن لها خصائص فيزيائية فريدة جعلتها تُستخدم في مجالات طبية متعددة، مثل اختبارات الحمل السريعة وبعض اختبارات كورونا، حيث تظهر اللون الأحمر المميز.
وقد بدأ الاهتمام العلمي الحقيقي بها أواخر القرن الماضي، عندما اكتشف الباحثون إمكانية توظيف هذه الجزيئات في التصوير الطبي والعلاج الموجه للأورام.
كيف تساعد جزيئات الذهب في علاج السرطان؟
وفقًا لباحثين من مركز “إم دي أندرسون” للسرطان في الولايات المتحدة الأمريكية، تلعب جزيئات الذهب النانوية دورًا محوريًا في مجالات علاجية عدة، منها العلاج الحراري الضوئي، حيث يتم تسليط أشعة ضوئية على الورم، فتقوم جزيئات الذهب بامتصاصها وتحويلها إلى حرارة عالية تساهم في قتل الخلايا السرطانية، كما تعزز الجزيئات العلاج الإشعاعي من خلال زيادة جرعة الإشعاع داخل الخلايا السرطانية فقط، مما يحمي الأنسجة السليمة المحيطة، وتعمل أيضًا على توصيل الأدوية والجينات بدقة أكبر إلى الخلايا المصابة.
التحدي الأكبر الوصول إلى داخل الورم
رغم هذه الإمكانيات، يواجه العلماء عقبة رئيسية تتمثل في صعوبة وصول جزيئات الذهب، حتى النانوية منها، إلى أعماق الورم بسبب كثافة أنسجة الجسم، لذا اتجهت الأبحاث مؤخرًا نحو فكرة مبتكرة تُعرف باسم التمعدن الحيوي للذهب.
التمعدن الحيوي: عندما ينتج الجسم جزيئات الذهب بنفسه
التمعدن الحيوي هو عملية تقوم فيها الخلايا الحية بتحويل المعادن من صورة ذائبة إلى جسيمات صلبة، وقد أظهرت الدراسات أن الخلايا السرطانية قادرة على تجميع ذرات الذهب داخلها وتحويلها إلى جزيئات نانوية، وبنسبة أكبر مقارنة بالخلايا السليمة.
تفتح هذه الظاهرة الباب أمام استراتيجية جديدة تتمثل في إيصال ذرات الذهب وليس الجزيئات إلى الجسم، لتخترق الأنسجة بسهولة، ثم تتجمع داخل الخلايا السرطانية مكونة جزيئات الذهب في المكان الصحيح.
لماذا تعد هذه الفكرة واعدة؟
تعتبر ذرات الذهب أصغر بمئات المرات من الجزيئات النانوية، مما يجعلها قادرة على الانتشار داخل الورم بالكامل والتراكم داخل الخلايا السرطانية، كما تعزز فاعلية العلاج الإشعاعي أو الحراري بدقة عالية، وتشير بيانات أولية إلى أن وجود الذهب داخل الخلايا قد يُضعف الإشارات الحيوية التي تساعد السرطان على النمو والانتشار، مما يفتح آفاقًا محتملة للتعامل مع الأورام المنتشرة.
استخدامات الذهب طبيًا في التاريخ
في عشرينيات القرن الماضي، استُخدمت أملاح الذهب لعلاج أمراض مثل الدرن والتهاب المفاصل الروماتويدي، ورغم توقف استخدامها لاحقًا، كشفت حالات نادرة أن تراكم الذهب في الجسم أدى إلى تكوّن جزيئات نانوية، وهو ما اعتبر دليلًا مبكرًا على إمكانية حدوث التمعدن الحيوي للذهب لدى البشر.
ما المرحلة التي وصلت إليها الأبحاث؟
حتى الآن، لا تزال هذه التقنية قيد البحث والدراسات قبل السريرية، ويعمل العلماء على اختبار فعاليتها في سرطانات صعبة العلاج مثل سرطان البنكرياس وسرطان الغدة الدرقية، بالتعاون مع فرق جراحية وإشعاعية متخصصة.
تُعتبر جزيئات الذهب أحد أكثر المسارات البحثية الواعدة في مجال العلاج الموجه، خاصة عند دمجها مع العلاج الإشعاعي، وإذا أثبتت التجارب السريرية المقبلة نجاحها، فقد تفتح الباب أمام علاجات أكثر دقة وأقل ضررًا لمرضى السرطان في المستقبل.

