وفقا لموقع “children and screens”، يُعتبر “الإدمان الرقمي” مصطلحًا شاملًا يتضمن مجموعة من السلوكيات التي أصبحت إشكالية فيما يتعلق بالتفاعل مع الشاشات، مثل الألعاب والتسوق وبث الفيديو ووسائل التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى الوسواس المرضي الإلكتروني المتمثل في البحث عبر الإنترنت عن المعلومات الطبية.
يُعرَّف الإدمان الرقمي لدى الأطفال بأنه الاعتماد المفرط على الأجهزة الرقمية مثل الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية وأجهزة الكمبيوتر، وكذلك المحتوى الإلكتروني كالألعاب ومقاطع الفيديو ووسائل التواصل الاجتماعي، مما قد يؤثر سلبًا على نموهم النفسي والجسدي، مما يدفعهم إلى الانعزال عن العلاقات الاجتماعية ويجعل من الصعب اكتساب عادات صحية، وقد يميل الأطفال الذين يتعرضون للأجهزة الرقمية في سن مبكرة إلى الابتعاد عن العالم الحقيقي مع زيادة استخدامهم لهذه الأجهزة.
علامات الإدمان الرقمي
– عدم القدرة على التوقف عن اللعب.
– إهمال جوانب أخرى مهمة من الحياة مثل النوم أو التعليم أو العمل أو العلاقات الاجتماعية.
الآثار الجسدية والنفسية للإدمان الرقمي
1. الآثار الجسدية:
إجهاد العين ومشاكل الرؤية.
قد يؤدي التعرض المطول للشاشات الرقمية إلى إجهاد العين، حيث يمكن أن يتسبب ضوء الشاشة في مشاكل مثل جفاف العين وتشوش الرؤية والصداع، كما أن التحديق في شاشة الهاتف أو الجهاز اللوحي أو الكمبيوتر لفترات طويلة قد يؤثر سلبًا على صحة العين لدى الأطفال والبالغين.
اضطرابات الوضعية وآلام العضلات.
يُهدد الاستخدام المطوّل للأجهزة الرقمية صحة العمود الفقري بشكل خاص، فالوضعية الخاطئة عند استخدام الكمبيوتر أو الهاتف قد تُسبب آلامًا في الرقبة والظهر وأسفل الظهر.
اضطرابات اليد والمعصم.
قد يُسبب استخدام لوحات المفاتيح أو الفأرة أو الشاشات اللمسية إجهادًا لليدين والمعصمين، تُعرف هذه الحالة باسم “متلازمة النفق الرسغي”.
اضطرابات النوم.
يُثبّط الضوء الأزرق المنبعث من الشاشات إفراز هرمون الميلاتونين، وهو هرمون أساسي لأنماط النوم، مما يجعل مشاهدة وسائل التواصل الاجتماعي أو الألعاب أو مقاطع الفيديو، خاصةً في وقت متأخر من الليل، تُصعّب النوم وتُقلّل من جودته.
السمنة وقلة النشاط البدني.
يشجع إدمان الأجهزة الرقمية على أنماط الحياة الخاملة، فالجلوس المستمر يُقلل من النشاط البدني وقد يؤدي إلى زيادة الوزن على المدى الطويل، ويزداد خطر الإصابة بالسمنة، خاصةً لدى الأطفال والشباب، مع إدمان الأجهزة الرقمية.
2. الآثار النفسية:
القلق والاكتئاب.
قد يؤدي إدمان التكنولوجيا إلى مشاكل في الصحة النفسية، كالقلق والاكتئاب، وهما شائعان بشكل خاص بين مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي بسبب المقارنة المستمرة للذات مع الآخرين على هذه المنصات.
تشتت الانتباه وقلة التركيز.
الاستخدام المستمر للأجهزة الرقمية يسبب تقصير فترة انتباه الأفراد، مما يؤثر سلبًا على قدرتهم على التركيز.
اضطرابات التحكم في الانفعالات.
يؤدي الإدمان الرقمي إلى رغبة الشخص الدائمة في تفقد أجهزته، مما قد يُسبب مشاكل في التحكم في الانفعالات، وقد يجد الشخص صعوبة في التركيز على مهامه اليومية بسبب ميله المستمر إلى استخدام الأجهزة الرقمية.
العزلة الاجتماعية والشعور بالوحدة.
يمكن أن يسبب الإدمان الرقمي انفصال الأفراد عن العلاقات الاجتماعية من خلال تقليل التفاعلات المباشرة، فالوقت المفرط الذي يُقضى في العالم الرقمي ليس بديلاً عن التفاعلات الاجتماعية الواقعية، بل قد يزيد من الشعور بالوحدة.
مشاكل سلوكية ونوبات غضب.
يؤدي الإدمان الرقمي إلى مشاكل سلوكية كالغضب والتهيج وعدم التسامح عندما لا يتمكن الأفراد من الوصول إلى الأجهزة الرقمية، وقد يُبالغ الأطفال تحديدًا في ردود أفعالهم عند حرمانهم من استخدامها.
الوقاية من الإدمان الرقمي
تشجيع الأنشطة البديلة.
إيجاد أنشطة ممتعة بعيدة عن الشاشات ورعايتها في وقت مبكر من الطفولة يمنح الأطفال الأكبر سنًا منفذًا بديلًا عند الحاجة.
وضع حدود وقواعد معقولة للاستخدام.
من الضروري وضع مجموعة من القواعد، مثل الأوقات المناسبة لممارسة الألعاب والأنشطة الإلكترونية الأخرى، وتحديد أوقات وأماكن خالية من الشاشات في المنزل، مثل غرف النوم والحمامات وأوقات تناول الطعام، وتحقيق التوازن بين وقت استخدام الشاشات والأنشطة الأخرى مثل النشاط البدني.
لا تخف من وقت “الملل” للأطفال.
قد يرى بعض الآباء أن قضاء الأطفال وقتًا أمام الشاشات أفضل من شعورهم بالملل، لكن شعور الأطفال بالملل ينمي خيالهم ويحفز إبداعهم.
الاستخدام المسؤول كقدوة.
إظهار الاستخدام المسؤول لوسائل الإعلام من جانب الوالدين أمر في غاية الأهمية، حيث إن أطفالنا يراقبوننا ويولون اهتمامًا بالغًا لكيفية استخدام الآباء لوسائل الإعلام الرقمية.
سيطر على بطاقات الائتمان.
تشجع معظم الألعاب الإلكترونية حاليًا على إنفاق أموال حقيقية عبر “صناديق الغنائم” وغيرها من الحوافز المصممة لزيادة الإنفاق الإضافي داخل اللعبة، لذلك يُنصح بحصر استخدام بطاقات ائتمان الوالدين على البالغين فقط، وإذا سُمح بالإنفاق داخل اللعبة، فينبغي منح الأطفال بطاقات هدايا بحدود إنفاق معينة للتحكم في الإنفاق وتعليمهم مهارات إدارة الميزانية.
من جانبه يوضح الدكتور أمجد العجرودي، استشاري الصحة النفسية بالمجلس الإقليمي للصحة النفسية، أن التعرض المكثف للألعاب الرقمية التفاعلية يرتبط بتغيرات نفسية وسلوكية ملحوظة لدى الأطفال، من بينها اضطرابات النوم وتراجع القدرة على التركيز وارتفاع معدلات التوتر والانفعال، وهو ما دفع خبراء الصحة النفسية في عدة دول إلى المطالبة بضبط استخدام هذه المنصات بدلًا من التعامل معها كوسيلة ترفيه بريئة.
إدمان الألعاب الإلكترونية
وأضاف موضحًا أن الخطأ الشائع هو اختزال المشكلة في اسم لعبة محددة، بينما الواقع يشير إلى أن الإدمان يرتبط بنمط الاستخدام وليس بالمحتوى وحده، فالألعاب الإلكترونية، بطبيعتها القائمة على التحديات المتتابعة والمكافآت السريعة، تحفّز مراكز المتعة في الدماغ بشكل متكرر، مما يجعل الطفل أكثر تعلقًا بالشاشة وأقل اهتمامًا بالواقع المحيط به، ويؤكد أن هذا النمط قد يتحول تدريجيًا إلى اعتماد نفسي، حيث يصبح اللعب هو الوسيلة الأساسية للشعور بالراحة أو الهروب من الضغوط، حتى لدى الأطفال في أعمار صغيرة.
مؤشرات مبكرة لا يجب تجاهلها
يشير الدكتور أمجد العجرودي إلى أن علامات الإدمان لا تظهر فجأة، بل تتسلل تدريجيًا، قد تبدأ بعصبية مفرطة عند تقليل وقت اللعب، أو مقاومة واضحة لأي نشاط بديل، ثم تتطور إلى اضطراب في مواعيد النوم، وانخفاض الأداء الدراسي، وتراجع التواصل مع الأسرة.
وفي مراحل أكثر تقدمًا، قد يظهر الطفل انعزالًا اجتماعيًا أو نوبات غضب غير مبررة أو قلقًا ملحوظًا عند الابتعاد عن الأجهزة الإلكترونية، وهي إشارات تستدعي تدخلًا مبكرًا قبل تفاقم الوضع.
العلاج يبدأ قبل الوصول إلى مرحلة الخطر
بحسب الدكتور أمجد العجرودي، فإن التعامل مع إدمان الألعاب الإلكترونية يعتمد على خطة متدرجة تبدأ بالاعتراف بالمشكلة، ثم وضع حدود واضحة لاستخدام الشاشات تتناسب مع عمر الطفل، ويشدد على أهمية التزام الأسرة بالكامل بهذه القواعد، حتى لا يشعر الطفل بالاستهداف أو الظلم.
كما يؤكد أن الدعم النفسي والحوار المفتوح مع الطفل عنصران أساسيان في العلاج، لأن كثيرًا من الأطفال يستخدمون الألعاب كوسيلة للهروب من مشاعر لا يستطيعون التعبير عنها.
بدائل واقعية تعيد التوازن
ويرى العجرودي أن البدائل الصحية يجب أن تكون جذابة ومناسبة لميول الطفل، مثل الأنشطة الرياضية أو الهوايات الفنية أو الألعاب الجماعية التي تعزز التفاعل الاجتماعي، فإعادة ربط الطفل بالعالم الواقعي خطوة محورية في تقليل اعتماده على العالم الرقمي، كما يشجع على إتاحة مساحات للعب الحر والتجارب اليومية البسيطة، لما لها من دور مهم في تنمية المهارات الذهنية والانفعالية.
تنظيم الشاشات
ويؤكد الدكتور أمجد العجرودي أن تحديد أوقات استخدام الشاشات لم يعد رفاهية تربوية، بل ضرورة لحماية الصحة النفسية للأطفال، فالتوازن بين التكنولوجيا والحياة اليومية هو مسئولية أسرية في المقام الأول، ولا يمكن تحقيقه بالقرارات الرسمية وحدها دون وعي ومشاركة حقيقية من الأهل.
وبدأت وزارة الصحة في تشغيل عيادات تخصصية لعلاج الإدمان الرقمي، وتأتي تلك الخطوة ضمن مبادرة “صحتك سعادة” المعنية بالصحة النفسية، والتي أطلقتها وزارة الصحة، وتهدف إلى حماية الأطفال والمراهقين من الآثار السلبية للاستخدام المفرط للتكنولوجيا، والعلاج من الإدمان الرقمي، الذي يعد نوعًا جديدًا من أنواع الإدمان يستلزم العلاج منه.

