يعتبر التقدم في العمر موضوعًا معقدًا يتجاوز مجرد حساب السنوات، حيث يرتبط بكفاءة أجهزة الجسم وقدرتها على مواجهة التدهور مع مرور الوقت، وقد أصبح مفهوم “الشيخوخة البيولوجية” محورًا رئيسيًا في الأبحاث الطبية مؤخرًا، مما يسلط الضوء على العوامل التي قد تُساهم في إبطاء هذا المسار، ومن بين هذه العوامل اللقاحات التي قد تلعب دورًا في دعم الصحة على المدى الطويل.

أفادت دراسة حديثة نشرتها Everyday Health بوجود ارتباط مثير بين تلقي لقاح الهربس النطاقي وتباطؤ مظاهر الشيخوخة البيولوجية لدى كبار السن، مما يفتح آفاقًا جديدة لفهم تأثير التطعيمات على جودة الحياة مع التقدم في العمر.

 

الشيخوخة البيولوجية: ما الذي تعنيه فعليًا؟

تشير الشيخوخة البيولوجية إلى الحالة الفعلية لوظائف الجسم بدلاً من العمر الزمني المسجل، فقد يتشارك شخصان في نفس العمر لكن أحدهما قد يتمتع بجهاز مناعي أكثر كفاءة ومستويات التهاب أقل، مما يجعله أصغر بيولوجيًا من الآخر، ويتعلق هذا التباين بعوامل مثل المناعة وصحة الخلايا والتغيرات الجينية والالتهاب المزمن منخفض الدرجة.

 

كيف درست الأبحاث تأثير اللقاح؟

اعتمد الباحثون في دراستهم على بيانات صحية شاملة تشمل آلاف الأشخاص من كبار السن، حيث تم تحليل مجموعة من المؤشرات الحيوية التي تعكس حالة الجسم الداخلية، شملت هذه المؤشرات كفاءة الجهاز المناعي بنوعيه الفطري والمكتسب ومستويات الالتهاب وصحة الجهاز العصبي والتغيرات الجينية واللاجينية المرتبطة بالعمر، وقد أظهرت النتائج أن من تلقوا لقاح الهربس النطاقي بعد سن الستين سجلوا معدلات أبطأ في التقدم البيولوجي مقارنة بغير الملقحين، حتى بعد احتساب عوامل مثل الوضع الاجتماعي والاقتصادي والحالة الصحية العامة.

 

العلاقة بين الالتهاب والشيخوخة

تُعد الالتهابات المزمنة أحد التفسيرات المحتملة لهذه النتائج، حيث تشير الأدلة العلمية إلى أن الالتهاب المستمر، حتى لو كان بدرجة منخفضة، يُعتبر محركًا رئيسيًا للعديد من الأمراض المرتبطة بالتقدم في العمر، وقد أطلق بعض الباحثين على هذه الظاهرة مصطلح “الالتهاب المرتبط بالشيخوخة”، كما أن فيروس الهربس النطاقي قد يبقى كامنًا في الجسم لسنوات، ومع إعادة تنشيطه الجزئي، يمكن أن يفرض ضغطًا مستمرًا على الجهاز المناعي، مما قد يؤدي تلقي اللقاح إلى تقليل هذا العبء الخفي، ويسمح للجسم بالحفاظ على توازنه المناعي لفترة أطول.

 

فوائد تتجاوز الوقاية من الطفح المؤلم

لم تعد فوائد لقاح الهربس النطاقي محصورة في تقليل خطر الإصابة بالعدوى المؤلمة فقط، حيث ربطت دراسات سابقة بين التطعيم وانخفاض احتمالات الإصابة ببعض الاضطرابات العصبية وأمراض القلب، مما يعزز الفكرة القائلة إن الوقاية المناعية قد تلعب دورًا محوريًا في الحفاظ على صحة الدماغ والقلب مع التقدم في العمر.

 

حدود النتائج وما الذي لم يُحسم بعد

على الرغم من أهمية هذه النتائج، يؤكد الباحثون أن الدراسة قائمة على الملاحظة، مما يعني أنها تُظهر ارتباطًا وليس علاقة سببية مؤكدة، كما أن القياسات أُجريت في نقطة زمنية واحدة، وهو ما يستدعي دراسات أطول مدى لمتابعة التغيرات البيولوجية عبر الزمن، وتظل هناك تساؤلات حول ما إذا كانت الفوائد تعود بشكل مباشر إلى اللقاح نفسه، أم إلى نمط الحياة الصحي الذي غالبًا ما يتبعه الأشخاص الأكثر التزامًا بالتطعيمات.

 

من الفئات المرشحة للتطعيم؟

تنتج العدوى المعروفة بالهربس النطاقي عن إعادة تنشيط فيروس يظل خاملاً في الجسم منذ الطفولة، ومع ضعف المناعة المرتبط بالتقدم في العمر، تزداد احتمالات ظهوره، لذلك توصي الإرشادات الصحية بتلقي اللقاح للبالغين في سن الخمسين وما بعدها، وكذلك لمن يعانون من ضعف في الجهاز المناعي، بعد مناقشة الأمر مع الطبيب المختص.

 

التطعيم كأداة لتعزيز العمر الصحي

ينظر خبراء الصحة إلى التطعيمات باعتبارها إحدى أكثر الوسائل فاعلية للوقاية من الأمراض، ومع تراكم الأدلة، يتضح أن دورها قد يمتد إلى دعم ما يُعرف بـ“العمر الصحي”، أي السنوات التي يعيشها الإنسان بصحة جيدة واستقلالية وظيفية.