تشير البيانات الحديثة إلى أن الجليد البحري في القطب الشمالي يواجه احتمال تسجيل أحد أدنى مستوياته الشتوية منذ بدء المراقبة عبر الأقمار الصناعية قبل نحو أربعة عقود مما يثير القلق بشأن تأثيرات تغير المناخ المتسارع على البيئة والسياسات العالمية وفقًا لمعلومات وكالة الأنباء الفرنسية.

أظهرت المعلومات الواردة من المركز الوطني الأمريكي لبيانات الثلوج والجليد أن مساحة الجليد البحري في القطب الشمالي بلغت حوالي 14.22 مليون كيلومتر مربع في 10 مارس وإذا استمر هذا الاتجاه حتى بلوغ الحد الأقصى الشتوي في وقت لاحق من الشهر الجاري فقد يسجل هذا الموسم ضمن أدنى خمسة مستويات تاريخية.

خطر اقتراب القطب الشمالي من مستوى قياسي منخفض

يتشكل الجليد البحري نتيجة تجمد مياه المحيط خلال فصل الشتاء وذوبانها في الصيف لكن الكمية المتجمدة تتناقص تدريجيًا بسبب الاحترار العالمي الناجم عن الأنشطة البشرية وقد أشار الباحث شيموس مكافي إلى أن الوضع قد يشهد بعض التغيرات الطفيفة خلال الأيام المقبلة إلا أن البيانات الحالية تشير إلى اقتراب القطب الشمالي من مستوى شتوي منخفض تاريخيًا موضحًا أن الامتداد الحالي قد يكون “واحدًا من أدنى المستويات في السجل وربما الأدنى على الإطلاق”.

سجل الجليد البحري في القطب الشمالي العام الماضي أدنى حد أقصى شتوي في 22 مارس عندما غطى مساحة بلغت 14.31 مليون كيلومتر مربع وفقًا لبيانات المركز الوطني لبيانات الثلوج والجليد كما تم تسجيل مستويات منخفضة مشابهة في أعوام 2016 و2017 و2018 من جهتها توقعت سامانثا بيرغيس أن عام 2026 قد يأتي ضمن أدنى خمسة أعوام على الإطلاق بينما اعتبر عالم المحيطات القطبية جيل جاريك أن الشتاء الحالي يعد بالفعل من بين “أقل ثلاثة مستويات” المسجلة حتى الآن.

القطب الشمالي يسخن أسرع من بقية العالم

يرى العلماء أن تراجع الغطاء الجليدي يعكس اتجاهًا أوسع لارتفاع درجات الحرارة في القطب الشمالي حيث كانت السنوات الثلاث الماضية هي الأعلى حرارة عالميًا على الإطلاق مع استمرار ارتفاع انبعاثات الغازات الدفيئة ويحذر الخبراء من أن القطب الشمالي يسخن بمعدل يتراوح بين 3 و4 مرات أسرع من المتوسط العالمي مما يعني استمرار فقدان الجليد متعدد السنوات وهو الأقدم والأكثر سماكة خلال الفترات المقبلة كما أشار الخبراء إلى أن عودة ظاهرة إل نينيو في وقت لاحق من هذا العام قد تدفع درجات الحرارة العالمية إلى مزيد من الارتفاع مما قد يسرع أيضًا من وتيرة ذوبان الجليد خلال أشهر الصيف.

تهديد مباشر للأنظمة البيئية والحياة البرية

على الرغم من أن ذوبان الجليد البحري لا يرفع مستوى سطح البحر بشكل مباشر على عكس ذوبان الأنهار الجليدية والصفائح الجليدية فإن العلماء يحذرون من أن فقدان الغطاء الجليدي المتجمد يهدد النظم البيئية القطبية الهشة وتعتمد أنواع مثل الدب القطبي وبطريق الإمبراطور على الجليد البحري في التكاثر والصيد والبقاء مما يجعل أي تراجع في مساحته تهديدًا مباشرًا للحياة البرية في تلك المناطق وقد حذرت شاي وولف من أن تقلص الغطاء الجليدي قد يكون إشارة إلى أخطار مناخية أعمق مؤكدة أن الاحترار في القطب الشمالي المدفوع بالوقود الأحفوري يضع العالم كله أمام مخاطر متزايدة ويقربه من نقاط تحول لا رجعة فيها قد تغير شكل العالم المعروف حاليًا.

ذوبان الجليد يعيد رسم الخريطة الجيوسياسية

إلى جانب التهديدات البيئية يؤدي تراجع الجليد في القطب الشمالي إلى إعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية العالمية حيث قد تفتح مسارات شحن جديدة وتتيح الوصول إلى موارد معدنية وطاقوية غير مستغلة في المنطقة وقد أشارت إليزابيث شاليكي إلى أن ذوبان الجليد قد يحول القطب الشمالي إلى منطقة بحرية متنازع عليها بين الدول المطلة عليه مشيرة إلى أن المنطقة باتت أشبه بـ”البحر المتوسط الجديد” بوصفها موردًا بحرية مشتركًا تحيط به دول متنافسة وفي هذا السياق توسع روسيا بالفعل وجودها الاقتصادي والعسكري على طول طريق البحر الشمالي بينما قد تضطر الولايات المتحدة وكندا إلى زيادة نشاطهما في المنطقة لمواكبة التحولات الجديدة كما أعاد التقرير التذكير باهتمام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في السابق بفكرة الاستحواذ على جرينلاند باعتبارها منطقة ذات أهمية استراتيجية وسط تصاعد التنافس مع روسيا والصين.

تحسن نسبي في القارة القطبية الجنوبية

في المقابل أشار تقرير صادر عن المركز الوطني لبيانات الثلوج والجليد إلى أن القارة القطبية الجنوبية شهدت تحسنًا نسبيًا إذ اقتربت مساحة الجليد البحري هناك من متوسطها الصيفي المعتاد بعد أربع سنوات من المستويات المنخفضة بشكل ملحوظ إلا أن العلماء يشددون على أن أي فرص اقتصادية قد تنشأ عن ذوبان الجليد في القطب الشمالي لا يمكن أن تحجب التكلفة البيئية الباهظة خاصة إذا لم تُخفض الانبعاثات العالمية بسرعة وبصورة حاسمة.